الإصلاح التربوي بين الارتجال وضرورة المقاربة البيداغوجية

لا شك أن المنظومة التربوية تحتاج إلى إصلاحات دورية مستمرة، على غرار حاجة البحيرة إلى تدفق المياه باستمرار، حتى لا تتحول إلى مستنقع. بيد أن الإصلاحات لا تؤتي أكلها إلاّ إذا أسند أمرها إلى أهل الاختصاص في مجالات علمية متنوعة (علم النفس/ علوم التربية/علم الاجتماع/ علوم اللسانيات/ التاريخ…) يناقشون ويحللون ويدرسون كل جزئياتها في إطار مقاربة علمية/تربوية، قبل تطبيقها في الميدان. وإليكم باختصار وجهة نظري في الموضوع بصفتي مربيا قضيت مساري المهني في قطاع التربية والتعليم بأطواره الثلاثة (الابتدائي/ الإكمالي/ الثانوي).
الفلسفة ضحية الارتجال
صرنا – مع الأسف- نشاهد في السنوات الأخيرة إجراء تعديلات على البرامج التعليمية وما يتعلق برزنامة العطل والاختبارات، بطرق ارتجالية دون طرح فكرة التعديل والإصلاح في سياق بيداغوجي شموليّ يحقق التوازن والتكامل بين مكوّنات المنظومة التربوية. ومن علامات هذا الارتجال، أنه بلغني طبع كتب اللغة الفرنسية للسنة الثالثة ابتدائي، مع العلم أنها محذوفة من البرنامج التعليمي!.
هناك أيضا القرار القاضي بتقليص حجم مادة الفلسفة دون استشارة أهلها، ودون عقد لقاءات بيداغوجية مسبقا مع أهل الميدان للنظر في تداعيات هذا القرار على نوعية التكوين العقلاني للطالب، وكأن الوزارة أصبحت تعطي الأولوية للشهادة على حساب التحصيل العلمي النقدي الرصين وليس إلاّ. إن التضييق على مادة الفلسفة يتعارض مع مفهوم ” التعليم العام” الهادف إلى تمكين الطالب من معارف عامة قبل انتقاله إلى الجامعة أو قبل إحالته إلى الحياة العملية، وأكثر من ذلك فإنه( أي هذا التضييق) يمهّد الطريق لنشر الذهنية الأحادية(اعتقد ولا تنتقد)، على حساب الفكر النقدي الفلسفي الضروري للحياة (انتقد ثم اعتقد)، ومن المحتمل أن تكون لهذا التضييق أيضا تداعيات خطرة على التعاطي السياسي في المجتمع، لأن الديمقراطية تكون حيث يكون الفكر النقدي الهادف إلى ترقية المجتمع، عن طريق التدافع الفكري بدل صناعة الأصنام (ذهنية القطيع).
وبحكم تجربتي في التعليم، فإنني أقترح تقليص حجم بعض المواد التي تعتمد على التلقين في المرحلة الإكمالية، من أجل إتاحة الفرصة لإدراج مادة جديدة خاصة بالفكر النقدي في شكله التمهيدي تناقش فيها نصوص مبسطة، غايتها تنشيط عقل الطالب، وتجعله يشعر براحة نفسية لكونه عنصرا فاعلا في الحصة، دون إدراجها في الامتحان أو يتم تقييم الطلبة على أساس المشاركة الشفوية. ولا شك أن مثل هذه الحصة ستجد قبولا لدى الطلبة لأنها تشكل فسحة تخفف وطأة المواد الجافة. والغاية من ذلك هي تهيئة عقول الطلبة لاستيعاب المفاهيم الفلسفية في المرحلة الثانوية.
شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين
The post الإصلاح التربوي بين الارتجال وضرورة المقاربة البيداغوجية appeared first on الشروق أونلاين.