الفصل العشائري في العراق: عندما تصير الأعراف الاجتماعية وسيلة للربح والابتزاز
رغم التطورات القانونية والمؤسساتية التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة، لا تزال بعض الأعراف العشائرية تمارس تأثيراً واسعاً في حلّ النزاعات الاجتماعية، وفي مقدمها ما يُعرف بـ"الفصل العشائري" أو "الدية"، وهو عرف اجتماعي قديم كان يهدف إلى إنهاء الخصومات ومنع تفاقم الثأر بين العشائر.
إلا أن هذا التقليد تحوّل في بعض الحالات إلى وسيلة للكسب غير المشروع والابتزاز المالي، وسط تنامي ظاهرة المبالغة في مبالغ الفصل وظهور جماعات وأشخاص يستغلون النزاعات لتحقيق مكاسب مالية كبيرة.
وفي مواجهة هذه الظاهرة، اتخذت الدولة العراقية إجراءات قانونية صارمة، أبرزها اعتبار ما يعرف بـ"الدكة العشائرية" جريمة إرهابية تخضع لأحكام قانون مكافحة الإرهاب، في خطوة تهدف إلى الحد من انتشار العنف العشائري وفرض سلطة القانون.
آلاف النزاعات العشائرية سنوياً، وفصل عشائري بالملايين
يعود نظام الفصل العشائري إلى مئات السنين، حين كانت العشيرة تمثل المرجعية الأساسية لحل النزاعات في غياب مؤسسات الدولة الحديثة. وكان الفصل يفرض عادة كتعويض مادي أو معنوي للطرف المتضرر بهدف إنهاء الخصومة وتحقيق الصلح.
ويرى باحثون في علم الاجتماع أن هذه الأعراف أدّت دوراً مهماً تاريخياً في الحد من دوامات الثأر، إلا أن استمرارها بالشكل الحالي بات يثير جدلاً واسعاً بسبب تضاربها مع النظام القضائي الرسمي.
ويقول الباحث الاجتماعي الدكتور أحمد الكعبي لـ"النهار" إن "الفصل العشائري نشأ كآلية اجتماعية لحفظ السلم الأهلي، لكنه فقد جزءاً من وظيفته الأصلية عندما تحولت بعض القضايا إلى فرص لتحقيق مكاسب مالية ضخمة خارج إطار العدالة والقانون".
بحسب بيانات وتقارير أمنية وبرلمانية عراقية خلال السنوات الماضية، شهدت البلاد آلاف النزاعات العشائرية المسجلة سنوياً، وخاصة في محافظات بغداد والبصرة وذي قار وميسان وواسط والديوانية.
كذلك، سجلت الأجهزة الأمنية مئات حوادث إطلاق النار المرتبطة بالخلافات العشائرية، فيما تحولت بعض النزاعات البسيطة إلى مواجهات مسلحة استخدمت فيها أسلحة متوسطة وثقيلة، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالممتلكات العامة والخاصة.
وتشير تقديرات مختصين إلى أن بعض مبالغ الفصل العشائري وصلت في حالات معينة إلى عشرات أو حتى مئات الملايين من الدنانير العراقية، بينما سُجلت حالات طلب فيها تسليم عقارات أو ممتلكات أو مبالغ مالية ضخمة تفوق حجم الضرر الفعلي الناجم عن الحادث.
مشكلة صغيرة تتحوّل أزمة كبيرة
في أحد أحياء بغداد، يروي المواطن أبو علي (48 عاماً) تجربته مع إحدى القضايا العشائرية قائلاً إن "حادثاً مرورياً بسيطاً تطوّر إلى مطالبة عشائرية كبيرة، رغم وجود دعوى قضائية وتعويض قانوني، جرى الضغط علينا لدفع مبالغ إضافية تحت عنوان الفصل العشائري. فالبعض أصبح ينظر إلى هذه القضايا كمصدر دخل لا كوسيلة للصلح".
ويؤكد مواطنون في محافظات جنوبية أن بعض الوسطاء والمتدخلين في النزاعات يسهمون أحياناً في تضخيم الخلافات بدلاً من احتوائها، بسبب ما يحصلون عليه من مكاسب أو حصص مالية ضمن تسويات الفصل.
ويقول المواطن حيدر الساعدي من محافظة ذي قار إن "هناك شيوخ عشائر محترمين يسعون للإصلاح الحقيقي، لكن في المقابل توجد جهات تستثمر أي خلاف للحصول على الأموال، فتتحول المشكلة الصغيرة إلى أزمة كبيرة".
في المقابل، يؤكد عدد من شيوخ العشائر البارزين أن ما يجري من استغلال لا يمثل القيم العشائرية الأصيلة.
ويقول الشيخ فلاح التميمي، أحد وجهاء العشائر في بغداد لـ"النهار"، إن "الأعراف العشائرية الحقيقية تقوم على الإصلاح، لا الابتزاز، وأي مطالبة بمبالغ خيالية أو استغلال لحاجة الناس هو إساءة للعشيرة وللأعراف الاجتماعية المتوارثة".
ويضيف أن "الكثير من شيوخ العشائر بدأوا اتخاذ مواقف واضحة ضد من يحاول استغلال اسم العشيرة لتحقيق مكاسب شخصية، لأن ذلك يسيء إلى سمعة الجميع".
من جهته، يرى الشيخ جاسم الموسوي، أحد وجهاء محافظة ميسان، أن الحل يكمن في تعزيز دور القضاء. ويقول لـ"النهار": "عندما يكون القضاء حاضراً وقوياً، لا حاجة لتحويل كل قضية إلى نزاع عشائري. العشيرة يجب أن تكون داعمة للدولة لا بديلاً منها".
"الدكة": من عرف عشائري إلى جريمة إرهابية
من أخطر المظاهر المرتبطة بالنزاعات العشائرية ما يُعرف بـ"الدكة العشائرية"، وهي عملية إطلاق نار أو استعراض مسلح يستهدف منزل أو مقر شخص أو جهة معينة بقصد التهديد أو الضغط.
خلال السنوات الماضية، تصاعدت هذه الظاهرة بشكل لافت، ما دفع السلطات العراقية إلى اتخاذ موقف قانوني أكثر تشدداً.
وأعلنت السلطات القضائية والأمنية العراقية اعتبار "الدكات العشائرية" من الجرائم التي يمكن أن تندرج ضمن "الأعمال الإرهابية" لما تسبّبه من ترويع للمواطنين وتهديد للأمن العام.
وبموجب هذا التوجه، أصبح مرتكبو هذه الأفعال معرّضين لعقوبات مشددة تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام وفقاً لظروف الجريمة والأضرار الناجمة عنها.
ويؤكد قضاة ومختصون قانونيون أن الدولة تسعى إلى تكريس مبدأ احتكار القوة بيد المؤسسات الرسمية.
ويقول الخبير القانوني القاضي المتقاعد سالم العبودي لـ"النهار" إن "إطلاق النار على المنازل أو تهديد المواطنين تحت أي ذريعة عشائرية يمثل اعتداءً على الأمن العام، والقانون العراقي لا يجيز لأيّ جهة أخذ الحق باليد أو فرض العقوبات خارج إطار القضاء".
ويضيف العبودي أن "التشدد القانوني تجاه الدكات العشائرية جاء نتيجة خطورتها على المجتمع، إذ إنها تثير الرعب بين السكان وقد تؤدي إلى سقوط ضحايا أبرياء".
وزارة الداخلية: لا تساهل مع الخارجين على القانون
من جهته، يؤكد المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية اللواء مقداد ميري، في حديث إلى "النهار"، أن "الأجهزة الأمنية نفذت خلال السنوات الأخيرة عشرات العمليات لملاحقة المتورطين في النزاعات العشائرية المسلحة".
ويقول إن "هناك توجيهات واضحة بعدم التهاون مع أيّ مجموعة تستخدم السلاح لفرض إرادتها على المواطنين، والقانون فوق الجميع، سواء كان المخالف فرداً أو جماعة".
ويضيف أن "القوات الأمنية تمكنت من اعتقال العديد من المطلوبين في قضايا دكات عشائرية وفرضت إجراءات أمنية مشددة في المناطق التي تشهد نزاعات متكررة".
ما التأثير الاقتصادي والاجتماعي؟
لا تقتصر آثار الفصل العشائري المبالغ فيه على الجانب المالي فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الاجتماعية والاقتصادية.
فبحسب خبراء اقتصاد، تؤدي المطالبات المالية الكبيرة إلى إنهاك الأسر ودفع بعضها إلى بيع ممتلكاتها أو الاقتراض لتسديد المبالغ المطلوبة.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور محمد السامرائي لـ"النهار" إن "بعض العائلات تدخل في أزمات مالية طويلة الأمد بسبب مبالغ الفصل الكبيرة، خصوصاً عندما تكون المطالبات غير متناسبة مع حجم الضرر الحقيقي".
كذلك، تؤدي النزاعات الممتدة إلى تعطيل النشاط الاقتصادي المحلي وإضعاف الاستثمارات في بعض المناطق التي تشهد توترات عشائرية متكررة.
الشباب بين القانون والعرف
اضافة الى ذلك، يرى ناشطون مدنيون أن الأجيال الشابة أصبحت أكثر ميلاً إلى اللجوء للقضاء بدلاً من الحلول العشائرية التقليدية.
ويقول الناشط المدني علي حسن لـ"النهار" إن "الشباب اليوم أكثر وعياً بحقوقهم القانونية، وهناك رفض متزايد لتحويل كل خلاف إلى قضيّة عشائرية، فالناس يريدون حلولاً عادلة وسريعة عبر مؤسسات الدولة".
وتشير استطلاعات رأي محلية غير رسمية أجرتها منظمات مجتمع مدني إلى وجود تأييد واسع لتشديد العقوبات ضد حمل السلاح خارج إطار الدولة وضد كل أشكال الابتزاز المالي المرتبطة بالنزاعات العشائرية.
جهود حكومية لتعزيز سلطة القانون
في ظل هذا الواقع، أكدت الحكومة العراقية مراراً أن تعزيز هيبة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الأمنية يمثلان أولوية أساسية.
وشهدت السنوات الأخيرة حملات أمنية متعددة استهدفت ملاحقة المطلوبين وضبط الأسلحة غير المرخصة وتفكيك بؤر النزاعات المسلحة.
وعملت السلطات على التنسيق مع شيوخ العشائر والوجهاء المحليين لتشجيع الحلول السلمية ومنع تفاقم النزاعات.
ويرى مختصون أن التعاون بين الدولة والعشائر المعتدلة يمثل أحد أهم مفاتيح النجاح في مواجهة الظواهر السلبية التي تستغل اسم العشيرة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
كذلك، يجمع مراقبون على أن الأعراف العشائرية الإيجابية التي تدعو إلى الصلح والتسامح يمكن أن تسهم في تعزيز التماسك المجتمعي، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الأعراف إلى وسيلة للضغط أو الابتزاز أو فرض الإتاوات المالية.
ويؤكد المتخصص في الشؤون الاجتماعية الدكتور قيس العبيدي أنه "لا يمكن بناء دولة مؤسسات قوية إذا بقيت بعض الجهات تفرض قراراتها خارج المنظومة القانونية، فالمطلوب هو الحفاظ على القيم الاجتماعية الإيجابية للعشيرة مع إخضاع جميع النزاعات لسلطة القضاء".
تمثل الخلافات العشائرية في العراق تحدياً اجتماعياً وأمنياً وقانونياً مستمراً، خصوصاً عندما تتحول آليات الصلح التقليدية إلى وسائل للكسب المالي أو فرض النفوذ بالقوة. وبينما تؤكد العشائر الأصيلة رفضها لاستغلال الفصل العشائري وتشويه أهدافه التاريخية، تمضي الدولة العراقية نحو تشديد الإجراءات القانونية وملاحقة المتورطين في أعمال العنف والتهديد.
ومع إدراج مرتكبي "الدكة العشائرية" ضمن الجرائم التي تعامل وفق "قانون مكافحة الإرهاب"، تبدو الرسالة الرسمية واضحة: لا مكان للسلاح خارج إطار الدولة، ولا سلطة تعلو على القانون، فيما يبقى الرهان الأكبر على ترسيخ ثقافة العدالة المدنية وتعزيز الثقة بالمؤسسات القضائية باعتبارها المرجع الأساس لحسم النزاعات وحماية الحقوق.