كيف ستتعامل حكومة الزيدي مع الجماعات الإيرانية المعارضة في العراق؟
في سياق التطورات السياسية والأمنية الحساسة التي يشهدها العراق والمنطقة، يبرز ملف الجماعات الإيرانية المعارضة المسلحة في إقليم كردستان بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً أمام حكومة علي الزيدي الجديدة، وسط تساؤلات متزايدة حيال كيفية تعاملها مع وجود تلك الجماعات داخل الأراضي العراقية، في ظلّ الضغوط الإيرانية، والاتفاقات الأمنية السابقة بين بغداد وطهران، وتعقيدات العلاقة مع إقليم كردستان.
وتشير المعطيات السياسية والأمنية إلى أن هذا الملف لم يعد مجرد قضية داخلية، بل تحوّل إلى جزء من تفاهمات إقليمية أوسع، خصوصاً مع استمرار التنسيق الأمني بين العراق وإيران لمنع استخدام الأراضي العراقية كنقطة انطلاق لأيّ نشاط مسلح يستهدف الجانب الإيراني، مقابل محاولات بغداد الحفاظ على توازن دقيق في شمال العراق.
وسبق أن وقّعت بغداد وطهران اتفاقاً أمنياً ينصّ على منع استخدام الأراضي العراقية ضد إيران، مع التزام إعادة تنظيم أوضاع تلك الجماعات وتجريدها من السلاح قرب الحدود. وقد انعكس ذلك في اجتماعات أمنية مشتركة أكدت استمرار التنسيق لمعالجة "ملف الجماعات المسلحة الإيرانية" بالتدريج، بما يضمن تقليل التوتر الحدودي ومنع التصعيد العسكري بين الجانبين.
تعقيدات كردستان تعرقل الحسم
في المقابل، يواجه هذا التوجّه الحكومي تحديات معقدة، إذ تتمركز هذه الجماعات في مناطق جبلية ضمن إقليم كردستان، ما يضيف بُعداً سياسياً يتعلق بعلاقة بغداد مع حكومة الإقليم. وأيّ خطوة تتعلق بنزع السلاح أو إغلاق المقارّ تحتاج إلى تنسيق أمني مباشر مع السلطات المحلية، ما يجعل الملف محكوماً بتوازن دقيق بين السيادة الاتحادية وصلاحيات الإقليم، وبين الضغوط الإقليمية والاعتبارات الداخلية.
وبحسب مصادر حكومية مطلعة لـ"النهار"، فإن "الحكومة العراقية الجديدة، في إطار التزاماتها السابقة مع طهران، تتجه نحو سياسة التضييق المنهجي على أنشطة تلك الجماعات، عبر حظر نشاطها العسكري والسياسي، ومنع استخدام الأراضي العراقية كمنصة إعلامية أو عملياتية ضد إيران، مع احتمال إغلاق مقارّها وإعادة تنظيم أوضاعها القانونية والأمنية".
لكن مراقبين يحذرون من أن تطبيق هذه السياسات قد يفتح الباب أمام توترات داخلية في إقليم كردستان، إضافة إلى انعكاساته على علاقة بغداد بأطراف دولية وإقليمية مختلفة، خصوصاً في ظلّ تداخل الملفات الأمنية مع قضايا أوسع مثل الاستقرار الحدودي والتوازنات الإقليمية في شمال العراق.
يقول عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي علي نعمة، لـ"النهار"، إن "ملف الجماعات الإيرانية المعارضة المسلحة الموجودة في إقليم كردستان يُعدّ من الملفات الأمنية الحساسة التي تتطلب معالجة دقيقة تقوم على أساس سيادة الدولة العراقية والالتزامات الدولية والإقليمية".
ويوضح نعمة أن "العراق ملتزم بعدم السماح باستخدام أراضيه كنقطة انطلاق لأيّ أعمال عسكرية خارج حدوده"، مشيراً إلى أن معالجة وجود تلك الجماعات "لا يمكن أن تتم بمعزل عن التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم".
ويضيف أن الخيارات المطروحة "تراوح بين إعادة التنظيم القانوني، أو نقل الوجود إلى مناطق أخرى بعيدة من الشريط الحدودي، أو الوصول إلى تفاهمات تضمن خفض التصعيد"، مؤكداً أن البرلمان العراقي سيواصل متابعة هذا الملف ضمن دوره الرقابي.

"إدارة" الملفّ بدلاً من حسمه؟
وبين مقتضيات الاتفاقات الأمنية مع إيران، وضغوط الواقع الداخلي في إقليم كردستان، تبدو الحكومة العراقية الجديدة أمام اختبار دقيق في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في سياستها الخارجية والأمنية، إذ يتحدد نجاحها بقدرتها على فرض سيادة الدولة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، مع الحفاظ على استقرار شمال العراق.
في المقابل، يقول الخبير والمستشار العسكري معن الجبوري، لـ"النهار"، إن "ملف الجماعات الإيرانية المعارضة المسلحة في إقليم كردستان يعد من أكثر الملفات حساسية وتشابكاً في العلاقة بين بغداد وطهران، ولا يمكن حسمه بسهولة في المدى القريب".
ويضيف أن "أي تحرك متسارع قد ينعكس على الاستقرار الأمني في شمال العراق، ووجود هذه الجماعات داخل الإقليم يجعل خيار الحسم السريع غير واقعي، ومن الممكن أن تلجأ بغداد إلى سياسة إدارة الملف بدلاً من إغلاقه نهائياً في الوقت الراهن".
ويختم الجبوري بالقول إن "السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة يتمثل في استمرار الضغط الأمني والسياسي التدريجي على تلك الجماعات، مع إبقاء قنوات التفاهم مفتوحة، بدلاً من الذهاب نحو إجراءات حاسمة أو تصعيدية قد تفتح جبهات توتر جديدة".