مجزرة ديرقانون النهر... حين يتحوّل القتل الجماعي إلى خبر عابر
مجزرة جديدة تُضاف إلى سجلّ الدم المفتوح في جنوب لبنان، كأنّ إسرائيل لم يعد لديها بنك أهداف سوى المدنيين والعائلات الآمنة داخل منازلها.
لم تعد الغارات تُبرَّر بأي ذريعة عسكرية، فالمشهد بات واضحاً: بيوت تُدمَّر فوق رؤوس أصحابها، أطفال يُنتشلون من تحت الركام، وعائلات بأكملها تُمحى من السجلّ المدني في دقائق.
في ديرقانون النهر جنوبي لبنان، لم تكن المجزرة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي الثلاثاء، مجرّد رقم جديد يُضاف إلى نشرات الأخبار. 13 ضحية سقطت دفعة واحدة، بينها عائلة لبنانية كاملة واثنان من السوريين كانوا في المكان نفسه، تجمعهم المأساة ذاتها والموت ذاته.
الأب قاسم، العامل الكادح في مجال البناء، لم يكن شخصية سياسية ولا عسكرية. رجل حاول، بعد حرب 2024، أن يعيد ترميم حياته كما يرمّم الجدران المتصدّعة بيديه، وذلك بعد تضرر بيته جراء غارة قريبة أودت بحياة أخته. كان معروفاً بحضوره الاجتماعي، لا ينقطع عن مناسبة أو واجب، يسابق التعب ليؤمّن لعائلته حياة بسيطة وكريمة.

الأطفال: ضحية مرةً أخرى...
إلى جانبه، رحلت زوجته، وابنتهما مع طفليها، وابنتهما الثانية مع ولديها. خمسة أطفال سقطوا في هذه المجزرة، كأن الموت كان يفتّش عن هذا المنزل تحديداً. هؤلاء الصغار لم يكونوا قد رأوا من الحياة سوى بداياتها الأولى، ألعاب صغيرة، ومدرسة، وأحلام بسيطة تشبه أي طفل في هذا العالم. لم يحملوا سلاحاً ولا عرفوا معنى السياسة أو الحرب، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلب موتٍ لم يترك لهم فرصة ليكبروا.
كما أدت الغارة إلى رحيل أسامة (الابن) الذي سعى في حياته فقط لتأمين لقمة عيشه بكرامة، بعيداً من أي خلاف أو تدخل في شؤون أحد. شاب انشغل بعمله وحياته اليومية، قبل أن تطاوله هذه المجزرة كغيره من الأبرياء.

ومن الضحايا أيضاً، المسعف علاء، صهر العائلة والمتطوع في "الهيئة الصحية الإسلامية"، الذي عرفه الناس بخدمته واستجابته الدائمة للنداءات الإنسانية. لم يكن يحمل سوى واجبه الإنساني، يذهب حيث يوجد جريح أو محتاج، لكن حتى المسعفين باتوا أهدافاً في هذه الحرب المفتوحة على كل ما هو حيّ.
وحده الابن عبدالله من ذوي الاحتياجات الخاصة نجا مرّة أخرى، بعد أن كان قد نجا أيضاً من استهداف سابق خلال حرب 2024.

المشكلة لم تعد في عدد الضحايا فحسب، بل في اعتياد العالم على صورهم. المجازر تمرّ سريعاً، والبيانات الدولية تُكتب بلغةٍ باردة، فيما الأهالي يدفنون عائلات كاملة دفعة واحدة. الأخطر أن يتحوّل القتل الجماعي إلى خبر عابر، وأن يصبح الحديث عن الأطفال والبيوت المدمّرة جزءاً من الروتين اليومي.
دير قانون النهر ليست تفصيلاً، بل صورة مكثّفة عن واقعٍ كامل: مدنيون يُقتلون لأنهم فقط يعيشون في الجنوب، وعائلات تُستهدف لأنها تُحاول أن تكمل حياتها رغم الحرب.