مجلس السلام هل انتهى دوره قبل أن يبدأ؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

عندما أطلق دونالد ترامب «مجلس السلام»، بدا المشهد أكبر كثيراً من المهمة الأصلية التي أنشئ من أجلها.

كان المفترض أن يتولى المجلس الإشراف على تثبيت وقف الحرب، وإدارة المرحلة الانتقالية، وإعادة إعمار غزة. لكن ترامب سرعان ما وسّع الطموح، وقدّمه باعتباره هيئة قادرة على التعامل مع النزاعات في مختلف أنحاء العالم، حتى بدا في لحظة الاندفاع الأولى كأنه مشروع لمنافسة الأمم المتحدة، أو على الأقل لتجاوز مجلس الأمن عندما تعطل التوافق بين أعضائه الدائمين.

كانت الفكرة جذابة في ظاهرها، وأيضاً مقلقة حول مستقبل المنظمات الدولية الأخرى، منظمة صغيرة، سريعة الحركة، تضم قادة قادرين على اتخاذ القرار وتوفير المال والقوات، بدلاً من البيروقراطية الدولية الثقيلة. غير أن بناء المجلس كشف منذ البداية أنه يعكس فلسفة ترامب في إدارة العلاقات الدولية أكثر مما يؤسس لنظام جماعي جديد.

فالميثاق يمنح رئيس المجلس سلطات استثنائية، هو الذي يدعو الدول إلى العضوية، ويجدد عضويتها أو ينهيها، ويحدد جدول الأعمال، ويختار أعضاء المجلس التنفيذي، ويملك حق الاعتراض على قراراته، بل يصبح المرجع النهائي في تفسير الميثاق. العضوية العادية مدتها ثلاث سنوات قابلة للتجديد بإرادته، أما الدولة التي تساهم في أكثر من مليار دولار فتحصل على وضع دائم. والأكثر دلالة أن ترامب يرأس المجلس بصفته الشخصية، وليس فقط باعتباره رئيساً للولايات المتحدة، ولا يغادر موقعه إلا بالاستقالة أو العجز، ثم يتولى من يختاره هو لخلافته. هكذا وُلد المجلس باسم السلام، لكنه صُمم أقرب إلى شركة سياسية دولية يملك مؤسسها الكلمة الأخيرة.

ومن هنا تحولت دعوة الانضمام إليه إلى واحدة من أدوات المكافأة والعقاب في سياسة ترامب. هدد فرنسا بفرض رسوم تبلغ 200% على النبيذ والشمبانيا بعدما اتجه الرئيس إيمانويل ماكرون إلى رفض العضوية، ثم سحب دعوة كندا بعد خطاب مارك كارني في دافوس، الذي انتقد فيه استخدام القوى الكبرى للتجارة والرسوم وسيلةً للإكراه. لم تعد العضوية، والحال كذلك، اعترافاً بدور دولة في صناعة السلام، بقدر ما بدت شهادة رضا يمنحها ترامب للحلفاء وينزعها ممن يختلفون معه.

لكن الضجة الأولى لم تستمر. فدول غربية رئيسية، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، لم تنضم، وكذلك الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا. كما أثار غياب تمثيل فلسطيني سياسي حقيقي داخل الهيئة التي ستشرف على مستقبل قطاع فلسطيني سؤالاً جوهرياً حول الشرعية. وبدا المجلس واسعاً من حيث عدد الأعضاء، لكنه محدود من حيث قدرته على تمثيل النظام الدولي أو إلزام أطرافه الكبرى.

أما الحديث عن حلوله محل مجلس الأمن، فقد انتهى عملياً قبل أن يبدأ. فالسلطة القانونية التي يمتلكها المجلس في غزة لم يصنعها بنفسه، وإنما حصل عليها من قرار مجلس الأمن الرقم 2803. وهي سلطة موقتة، مقصورة على غزة وتنتهي في 2027، مع إلزام المجلس تقديم تقرير إلى مجلس الأمن كل ستة أشهر. أما خارج غزة فلا يملك تفويضاً دولياً ولا أدوات تنفيذ أو عقوبات أو قوات تابعة له. وبذلك لا يستطيع المجلس أن يحل محل المؤسسة التي استمد منها شرعيته الوحيدة.

كذلك جاءت حصيلة الأشهر الأولى أقل من حجم الوعود. حصل المجلس على تعهدات بقيمة سبعة مليارات دولار، بينما تقترب تقديرات إعادة إعمار غزة من سبعين ملياراً. وتعهدت خمس دول المساهمة في قوة استقرار دولية قوامها عشرون ألف عنصر، لكن بعد ثلاثة أشهر لم تكن هناك مساهمات عسكرية مهمة على الأرض. وتعطلت خطوات الإدارة الفلسطينية الانتقالية، بينما استمرت الضربات والقتلى وتوسعت المساحات الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية.

ومع ذلك، سيكون من المبكر إعلان وفاة المجلس. ففي 30 تموز/ يوليو أعلن التوصل إلى خريطة طريق لنزع سلاح "حماس" والفصائل، في مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي، وتسليم الإدارة والأمن إلى لجنة فلسطينية تكنوقراطية، ونشر قوة الاستقرار وبدء الإعمار. وفي الثالث من آب/ أغسطس التقى الممثل الأعلى للمجلس، نيكولاي ملادينوف، بنيامين نتنياهو، وضغط لوقف الغارات الإسرائيلية. هذا النشاط يدل على أن المجلس لم يختفِ تماماً، لكنه انكمش من مشروع لإعادة تشكيل النظام الدولي إلى آلية تفاوض أميركية خاصة بغزة.

الاختبار الآن ليس عدد الأعلام حول طاولة ترامب، بل القدرة على تنفيذ التزامات متزامنة، وقف الهجمات الإسرائيلية، بدء الانسحاب، نزع السلاح، دخول الإدارة الفلسطينية، نشر القوة الدولية وتحويل التعهدات المالية إلى مشروعات. فإذا نجح المجلس في ذلك، سيكتسب قيمة باعتباره «مجموعة اتصال» فعالة لغزة، لا بديلاً من الأمم المتحدة. أما إذا ظل قادراً على الضغط لنزع سلاح "حماس"، وعاجزاً عن إلزام إسرائيل وقف عملياتها والانسحاب، فسيفقد حتى شرعيته المحدودة.

لم ينتهِ مجلس السلام قبل أن يبدأ، لكن صورته الأولى انتهت على الأرجح، لا مجلس أمن جديداً ولا قيادة بديلة للعالم. ما بقي هو اختبار أكثر تواضعاً وأشد صعوبة؛ إما أن يحوّل النفوذ الأميركي إلى سلام قابل للقياس في غزة، وإما يتحول إلى اسم كبير آخر أطلقه ترامب، ثم تجاوزته الأحداث.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية