"محور الخير" والعقل الإستراتيجي المغربي .. دروس في التموقع الجيوسياسي
يقول الكاتب والوزير الأمريكي الذي عاش في القرن التاسع عشر جامس فريمان كلارك: “الفرق بين رجل السياسة العادي ورجل الدولة يتمثل في أن الأول يبحث عن كسب الانتخابات القادمة بينما الثاني يبحث عن مصالح الأجيال القادمة”.
وقال رايمون آرون في كتابه “المتفرج الملتزم”: “يعلمنا التاريخ أن أكبر خطأين قاتلين هما الجهل والحماقة”.
الحرب الأمريكو-إسرائيلية على إيران تتميز بكونها ذات طبيعة جيو-سياسية وجيو اقتصادية، وبالتالي فإن أهميتها لا تكمن فقط في كونها توجه ضربات قوية للاقتصاد والقدرة الشرائية وتشرعن التضخم، بل تتميز كذلك بكونها تدفع الدول المهتمة بإستراتيجية الاستيقاظ الجيو- سياسي والجيو- اقتصادي إلى القيام بتقييم جدوى ونجاعة نموذجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي في أفق استخلاص الدروس والعبر، ولما لا القيام بالتعديل والتصحيح أو اختيار طرق بديلة؛ خصوصا أن هذه الحرب جاءت بعد أزمة كوفيد والحرب الروسية الأوكرانية وزلزال الحوز، ما يدفع العقل الإستراتيجي المغربي إلى الاقتناع بأن بناء المغرب الجديد سيتم من خلال حقيبة الحلول التي سيتم إبداعها لمواجهة سلسلة الأزمات المتعاقبة.
كما أن خصوصية حرب الشرق الأوسط الأخيرة تكمن في كونها تمس ملكيات خليجية تعتبر حليفة إستراتيجية للمملكة المغربية، وتمس كذلك نماذج اقتصادية أبدعتها هذه الملكيات، وخصوصا إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة التي يصنفها مجموعة من الباحثين باعتبارها “سنغافورة الصحراء”، وهي الإمارة التي سيقول عنها إيلون ماسك: “ليست هناك دولة مثالية، لكن دبي والإمارات دولة وإمارة تحكمان أحسن بكثير من مجموعة من الدول الأوربية”.
نجاح إمارة دبي أو سنغافورة الصحراء كما (يلقبها البعض) في الانتقال من اقتصاد تقليدي يصنف باعتباره اقتصاد “محطات الوقود” (التصنيف الذي أطلقه الاقتصاديون على اقتصاد الخليج سنة 1945) إلى اقتصاد ما بعد زمن النفط، (يعتمد أساسا على السياحة-التجارة-المالية)، إذ إن أكثر من خمسة وتسعين في المائة من الناتج الداخلي الخام لدبي هو غير نفطي اليوم، شكل بالنسبة لباقي الملكيات في العالم العربي (خصوصا، قطر-السعودية في عهد محمد بنسلمان -المغرب) نموذجا يحتذى به، لهذا فإن الحرب الشرق أوسطية الأخيرة تجعل العقل الإستراتيجي المغربي مهتما بشكل كبير باستخلاص الدروس.
-الدرس الأول الذي على المغرب استخلاصه من الحرب الشرق أوسطية الجديدة هو الدرس المرتبط بأن قوة الدول لا تبنى فقط من خلال الثروات التي توجد في باطن الأرض، بل وكذلك من خلال الثروات التي تبدعها عقولها البشرية أي “الأفكار”.
كاتب الافتتاحيات بالمجلات الفرنسية أنطوان ديلهوميس سيؤكد أنه رغم أن الاقتصاديين العالميين كانوا ينتصرون لإستراتيجية البيئة باعتبارها أولوية عالمية إلا أن حرب الشرق الأوسط الأخيرة أثبتت أن الطلب العالمي على البترول يرتفع ولا ينخفض كما يسوق البعض، وهكذا ورغم أن الكل يكره البترول لأنه يلوث ويرفع درجة حرارة إلا أن النفط يؤكد اليوم أنه معطى أساسي في الحياة الاقتصادية، وأن نظريات نهاية عصر البترول تكذبها الوقائع على الأرض، فالإحصائيات الدولية تثبت أن الاستهلاك العالمي اليومي للنفط سنة 2005 كان يقدر بـ 84 مليون برميل يوميا، بينما سنة 2025 قدر الاستهلاك النفطي اليومي العالمي بـ 104 ملايين برميل.
الارتفاع المستمر في استهلاك النفط وارتفاع ثمنه في الأسواق الدولية عند الأزمات، كالأزمة المرتبطة اليوم بمضيق هرمز، يجعله يقسم اقتصاديات العالم إلى قسمين: “الاقتصاديات الرابحة” (وهي الاقتصاديات التي تصدر النفط)، والاقتصاديات التي تواجه صعوبات كبيرة (وهي الاقتصاديات التي تستورد النفط)، ما يطرح تحديا كبيرا على الاقتصاديات التي تستورد النفط ويفرض عليها الإجابة عن سؤال ما العمل من أجل الاستمرار في إستراتيجية الاستيقاظ الجيو سياسي والجيو اقتصادي، رغم ارتفاع ثمن النفط في الأسواق العالمية؟.
العقل الإستراتيجي المغربي أمام التحدي المرتبط بارتفاع ثمن النفط في الأسواق العالمية اعتمد إستراتيجية أن هناك دولا تعتمد على النفط ودولا أخرى تعتمد على إبداع الأفكار من أجل صنع الثروة، وهو الشعار نفسه الذي رفعته النخبة السياسية الفرنسية من أجل مواجهة الأزمة البترولية الأولى سنة 1973، إذ رفعت شعار “فرنسا لا تتوفر على النفط ولكنها تتوفر على الأفكار”، وأبدعت بالتالي خيار الطاقة النووية.
العقل الإستراتيجي المغربي كان رده الأولي على أزمة ارتفاع ثمن النفط هو الهدوء الإستراتيجي (الذي يستشف من جواب والي بنك المغرب من خلال العمل على استقرار سعر الفائدة أسوة بما طبقه البنك المركزي الأمريكي والبريطاني، حتى يحافظ الاقتصاد المغربي على قدرته على استقطاب رؤوس الأموال). هذا الهدوء كان مسنودا باقتصاد مغربي متنوع (السياحة تحويلات مغاربة الخارج-الفوسفاط-صناعة السيارات-التساقطات المطرية والموسم الفلاحي الجيد).
العقل الإستراتيجي المغربي كان يعي أن إستراتيجية الهدوء الإستراتيجي التي تصلح للمدى القصير لا تعفيه من ضرورة البحث عن خريطة طريق تخص السنوات العشر القادمة، وأخرى تخص القرن القادم، وهي الخطة التي تعتمد على إنشاء “الطاقة النووية-الطاقات المتجددة-الطاقة الشمسية- الكهرباء-خزانات إستراتيجية- الاستفادة من التجربة التركية المعتمدة على التحول إلى محطة لنقل النفط والغاز، مؤمنة وبعيدة عن مناطق التوتر العالمي- تعزيز القوة الإستراتيجية للممرات الدولية والطرق الجديدة التي تعزز موقع المغرب – بناء أنابيب نقل النفط سواء مع نيجيريا ولما لا دول أخرى في إطار إستراتيجية رابح –رابح”.
ورغم أن العقل الإستراتيجي المغربي استعمل مربع الأفكار لتجويد جوابه عن الأزمة إلا أن العقل الحكومي المغربي لم يعمل على الإبداع في ابتكار أساليب جديدة (من خلال منشور لرئيس الحكومة يوجه الإدارات والمؤسسات العمومية إلى الاشتغال وفق الواقع الجديد المتعلق بارتفاع أثمان الطاقة ) لمواجهة الأزمة كما فعلت بعض الدول الآسيوية وحتى الأوربية المستوردة للنفط. وفي هذا السياق عمدت اليابان إلى استعمال احتياطاتها الإستراتيجية، بينما عمدت تايلاند إلى تشجيع مواطنيها على العمل عن بعد مع تقليص استعمال المكيفات أو استعمالها باقتصاد وفي حالة الضرورة القصوى، مع التشجيع على عدم استعمال المصاعد؛ أما في فيتنام فشجعت الدولة مواطنيها على التنقل المشترك أو استعمال الدراجات الهوائية بالنسبة للمسافات القصيرة. وفي بنغلاديش عمدت الدولة إلى تقريب عطلة عيد الفطر، وفي نيبال عمدت الدولة إلى تعديل نسبة ملء قنينة الغاز إلى النصف، وفي باكستان عمدت الدولة إلى إغلاق المدارس من 16 إلى 31 مارس، وفي استراليا عمدت الدولة إلى تخفيض نوعية البنزين. الصين تقدم مثالا آخر في التعامل مع الأزمات المرتبطة بالصدمات النفطية من خلال الاحتياطات الإستراتيجية الضخمة من النفط، التي تقدر بمليار ونصف المليار برميل، ما يمكنها من الاكتفاء الذاتي لمدة نصف سنة.
-الدرس الثاني التي تقدمه حرب الشرق الأوسط الأخيرة هو ضرورة تعزيز المغرب انتمائه إلى ما يطلق عليه “محور الخير”.
في العلاقات الدولية ليس هناك مكان للعواطف، بل للمصالح التي من المفروض على رجال الدولة أن يقرؤوها جيدا، وفي هذا السياق نستحضر ما أشار إليه الدبلوماسي المحنك هنري كيسنجر في كتابه “الدبلوماسية”، حيث يؤكد أن بيسمارك هو أول من تبنى الواقعية السياسية الحديثة، عندما أكد أنه في نظام ثلاثي القوة يجب عليك أن تتموقع مع تحالف مكون من قوتين حتى تضمن مستقبلك، أما في نظامي ثنائي القوة، فعليك أن تختار التموقع الذي ينفع وينسجم مع مصالح بلدك على المستوى البعيد، أما في نظام أحادي القوة فالاختيار معروف.
منذ الحرب العالمية الثانية انقسم العالم إلى محورين (محور الخير-محور الشر)، حيث صنف الباحثون الثلاثي المكون من “ألمانيا النازية-إيطاليا الفاشية-الإمبراطورية اليابانية” ضمن ما أطلق عليه آنذاك محور الشر. مصطلح محور الشر الذي دخل قاموس العلاقات الدولية سنة 1945 سيتم إحياؤه من جديد من طرف الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بعد هجمات شتنبر 2001، من خلال خطابه عن حالة الاتحاد في يناير 2002، حيث صنف محور الشر باعتباره المحور المتهم بمساعدة بن لادن والإسلاميين، والمكون خصوصا من العراق وإيران وكوريا الشمالية. وسيعود هذا المصطلح كذلك إلى الساحة الدولية بعد الحرب الروسية الأوكرانية، لكن هذه المرة بتحديد جديد وموسع من خلال تحديد دول محور الشر في الدول غير الديمقراطية والدول التي تصنف ضد العالم الغربي. الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تعيد إلى الأذهان التقسيم الثنائي بين محور الشر ومحور الخير، وتؤكد من جديد أن هذا التقسيم مازال مستمرا، وبالتالي على الدول أن تختار جيدا مكانتها وموقعها.
من جهة أخرى سيؤكد الباحث الفرنسي رايمون ارون أن العامل الذي صار يحدد اليوم التحالفات الدولية هو الخوف من الآخر، وأن أوروبا الحديثة صنعت تحالفاتها أساسا من خلال معطى الخوف من الآخر. ومن أجل تأكيد ذلك يجب العودة إلى الخطاب الشهير الذي ألقاه ممثل فرنسا، بول هنري سبيك، بتاريخ 28 شتنبر 1948، في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، من اجل الدفاع عن اتفاق بروكسيل، حيث قال موجها كلامه إلى ممثل الاتحاد السوفياتي: “هل تعرف ما هو الأساس والدافع لسياستنا الخارجية؟ إنه الخوف منكم ومن حكومتكم”. لهذا سيؤكد الكثير من الباحثين أن أب أوروبا الحقيقي والفعلي هو ستالين، وبالنسبة للمنطقة المغاربية فإن الأب الفعلي للتحالفات في المنطقة هو الخوف من الجزائر من مواقفها من تحالفاتها من نواياها التوسعية، وبالتالي فان الأب الفعلي والحقيقي والشرعي للتحالفات الجديدة في المنطقة المغاربية هو بومدين وسياسته التوسعية.
حرب الشرق الأوسط الجديدة تفرض على المغرب من جديد الاستمرار في تعزيز موقعه ضمن محور الخير، وموقعه “ضمن الدول الصديقة والحليفة” (وهنا تجدر الإشارة إلى أن المغرب تحفظ على تقديم طلب الانضمام إلى البريكس حتى لا يصنف ضمن التحالف الجديد للجنوب)، على اعتبار أنه المحور الذي يملك القدرة على إسناد الحضور الجيو سياسي والجيو اقتصادي للبلد على المستوى الدولي، ويحجز له مكانا جيدا في الخريطة العالمية للقرن الواحد والعشرين.
الدرس الثالث الذي من المفروض أن يستخلصه العقل الإستراتيجي المغربي من حرب الشرق الأوسط الأخيرة يتمثل في أن بناء الدول القوية لا يتم فقط من خلال تعزيز مربع القوة الناعمة، بل وكذلك من خلال تعزيز مربع القوة الصلبة.
الدرس الثالث الذي تقدمه لنا الحرب في الشرق الأوسط يتمثل في أن الدول من أجل حماية نفسها ليست في حاجة فقط إلى تبني إستراتيجية القوة الناعمة، وهو المفهوم الذي يحدده الباحث السويدي مارتن كلين في كتابه الذي حمل عنوان “القوة الناعمة”، والصادر مؤخرا في “كل ما يمكن أن يؤثر في بقية العالم” (الشمس -الأمن- الطرق- الحضارة-الرياضة-). لكن الدول مطلوب منها كذلك الاهتمام ببناء القوة الصلبة، وهي القوة المعتمدة على القدرات العسكرية والقدرات الاقتصادية القادرة على حماية القوة الناعمة.
في المغرب الاستفادة من دروس الحرب الشرق أوسطية الأخيرة تدفعنا كذلك إلى الاستفادة من النظريات الاقتصادية التقليدية، وخصوصا تحليلات مجموعة من الاقتصاديين العالمين في ما يتعلق بدور الدولة. وهكذا ستعلمنا كتابات الاقتصادي أدم سميت ضرورة الاهتمام بالنفقات العمومية الوجودية، والنفقات العمومية التنموية. أما كتابات الاقتصادي ريتشارد ميسغراف فستنصحنا بضرورة الاهتمام كذلك بالنفقات العمومية المرتبطة بالحماية الاجتماعية، ما يدفعنا إلى استخلاص العبر من خلال العمل على تعزيز الثلاثية الذهبية المتمثلة في: النفقات العمومية الوجودية (الدفاع-الأمن-العدل-الخارجية-المؤسسات-المالية)، وكذلك تعزيز النفقات العمومية التنموية (التجهيز-التعليم—البحث-البيئة)، مع الإبداع في ما يخص توزيع الكلفة ما بين المرتفق ودافع الضرائب، وتعزيز المحور الثالث كذلك، والمرتبط بالنفقات العمومية المخصصة للحماية الاجتماعية، مع العمل على تحديد سقف نسبتها في الناتج الداخلي الخام من خلال التجارب الدولية (ستة عشر في المائة بالنسبة لإيرلندا واثنين وثلاثين في المائة بالنسبة للسويد).
العقل الإستراتيجي المغربي اليوم من خلال الاهتمام بالثلاثية الذهبية المعتمدة على تعزيز القوة-تعزيز النمو-تعزيز الحماية الاجتماعية، يعطي إشارات قوية إلى أنه منخرط بقوة في بناء المغرب الصاعد من خلال ثنائية القوة الصلبة والقوة الناعمة جنبا لجنب.
الدرس الرابع الذي يستنتجه الباحث من الأزمات الجيو- سياسية والجيو- اقتصادية أنها تمهد الطريق للدول التي يعرف قادتها متى يضغطون على مكباح الفرملة، ومتى يضغطون على دواس السرعة ـأي الدول التي تتقن انتظار ما يطلق عليه “نضج الأزمنة”.
اختراع الساعة أثر بشكل كبير على عالم السياسة، وعلى تصنيف الأفعال من خلال ربطها بالزمن. وفي هذا السياق يتم تصنيف الفعل في المجال السياسي بفعل سابق لأوانه، أو فعل في أوانه، أو فعل متأخر، ومن جهة أخرى يتم تصنيف الأفعال من خلال فعل سريع وفعل بطيء. وصار السياسيون الناجحون هم السياسيون الذين يملكون ميزة النجاح في الاختيار الجيد للتوقيت.
يقول الأستاذ والباحث الفرنسي روبير هيرتزوك إن نجاح الفعل السياسي يبقى مرتبطا باختيار التوقيت والزمن، وهو ما أطلق عليه “نضج الأزمنة”، والأنظمة السياسية الذكية هي الأنظمة التي تكون قادرة على اختيار الزمن المناسب والزمن الأمثل للتحرك، من أجل ضمان نجاح التحرك وكذلك تخفيض كلفة التحرك.
اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بتاريخ 24 فبراير 2022 كان إيذانا بعصر عودة الإمبراطوريات وعودة الدول وعودة المعطى الجيوسياسي بقوة إلى الساحة الدولية، وبالتالي كان فرصة مواتية للدول التي تريد تعزيز موقعها الجيوسياسي من أجل التحرك. كاتب الافتتاحيات في المجلات الفرنسية نيكولاس بفيريز سيؤكد أن هذا العصر هو عصر عودة الدول، وهو عصر يتميز بالعودة القوية لمبدأ الجيو سياسي على الاقتصاد نظرا للحرب الأوكرانية وحروب الشرق الأوسط والحرب الأمريكو- إسرائيلية على إيران.
انحياز الولايات المتحدة الأمريكية في عهد ترامب إلى النهج الليبرالي، الذي يتميز بقوة الدول أمام السوق وأمام المجتمع، وقوة السيادة على الاندماج، وتراجع العولمة التي كنت تتميز بتقلص الحدود من أجل حرية تنقل البضائع والرأسمال، وبالتالي العودة القوية لمبدأ السيادة الذي نظر له جون بودان.
العودة القوية للدول بكل ما تحمله من تراجع بريق مبدأ تقرير المصير ومبدأ الاستقلال على المستوى الدولي كان يمثل للمغرب الفرصة الذهبية للانتقال من خطة الدفاع إلى خطة الهجوم، من أجل التبني الدولي لخطة الحكم الذاتي في إطار السيادة الوطنية. وهكذا أثبتت الملكية أنها تتقن فن اختيار الزمن والوقت المناسب للفعل، وكذلك الوقت المناسب للهجوم، بعد التأكد من معطى “نضج الأزمنة” من خلال الضغط على دواس السرعة. وفي هذا السياق سيؤكد الملك في خطابه بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب بتاريخ 20غشت2022، (أي بعد ستة أشهر على بداية الحرب الروسية الأوكرانية) أن المغرب يحدد موقفه من الدول بناء على دعمها لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي.
الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران هي أحداث تعزز وترسخ استمرارية زمن الإمبراطوريات والحضارات القوية وزمن الجيو سياسي، وتعمل على إيقاظ التاريخ وتعيد عصر القوة وترسيخ مقولة الفرنسي لا فونتين “حجة القوي هي دائما الحجة الجيدة”. وكما يقول المفكر الألماني ذو الأصل الروسي الكسندر ستوجليف فان الأنظمة اليقظة، التي ستقرأ بشكل جيد وفعال تحذير الواقع الجيوسياسي الجديد في العالم واتجاه البوصلة الدولية، هي الأنظمة التي ستصنف ضمن الفائزين في المستقبل، ويضيف أن هذا المستقبل سيتميز بوجود محور الدول الهامشية ومحور الدول المنتصرة. ويضيف الباحث الألماني أن النجاح في عالم القرن الواحد والعشرين محجوز بشكل قبلي للدول التي ستعرف كيف تحدث دائما نظرتها إلى الكيفية التي تريد أن تسكن بها العالم القادم.
الدرس الخامس مرتبط بقدرة العقل الإستراتيجي المغربي على نقل الاهتمام من مربع السؤال الاجتماعي إلى مربع السؤال الوطني.
يحسب للعقل الإستراتيجي المغربي ما بعد سنة 2020 أنه نجح في فرض وتعزيز حضور المعطى الوطني ضمن الحقل السياسي والاجتماعي المغربي، ما جعل الحياة السياسية المغربية تشهد صراع الثنائي (الوطني-الاجتماعي).
السوسيولوجي الفرنسي ألان تورين سيؤكد سنة 1990، أمام الصعود القوي لليمين المتطرف في المشهد السياسي الفرنسي الوطني، خلاصاته الأساسية المتمثلة في أن “السؤال الوطني يعوض السؤال الاجتماعي في قلب الحياة السياسية الفرنسية اليوم”.
العقل الإستراتيجي المغربي من خلال النجاح في فرض المعطى الوطني بقوة أمام المعطى الاجتماعي والمعطى القومي والمعطى الديني كان مقتنعا بأن عودة الدول بقوة إلى المشهد -الجيوسياسي- مرتبط بشكل وثيق بالقدرة على جعل السؤال الوطني يحتل المكانة الأساسية في المشهد السياسي المغربي.
في كتابه الذي يحمل عنوان “أفيون النخب” سيؤكد الكاتب أكيلينو موريل أن القضايا الكبرى لا يمكن كسبها دون الانخراط الفعلي للشعوب، لهذا فإن القدرة على كسب التحدي الجيو سياسي والجيو اقتصادي من المفروض أن يستند إلى شرعية شعبية قوية. الباحث فيرون في كتابه “المتكلم والشعب” سيؤكد على مفهوم الشعب الدولة، ومفهوم الشعب المجتمع. صعود نجم القضايا الوطنية يتم إسناده من طرف الاستيقاظ القوي لمفهوم الشعب الدولة، وهذا لا يعني إلغاء السؤال الاجتماعي، ولكن يدشن التنافس القوي للقضايا الوطنية إلى جانب القضايا الاجتماعية، ويرتب أولويات داخل الحقل السياسي المغربي من خلال أولوية الوطني على الباقي.
الخلاصة
السوسيولوجي الألماني هرفريد مينكلر، في مقالته حول الحرب، سيخترع مصطلح “المجتمعات ما بعد البطولية” في مواجهة “المجتمعات البطولية”. المجتمعات البطولية هي المجتمعات التي يحضر فيها الماضي بقوة، وتحضر ثقافة الحرب وثقافة الفداء والاستشهاد والوطنية الضيقة، ويحضر الموت بقوة وكذلك اقتصاد الحرب، كما يحضر التسخين الديني والإيديولوجي والقومي أو العرقي، بينما في “الحضارات ما بعد البطولية” يحضر المستقبل بقوة ويحضر الاقتصاد والتجارة وتحضر الوطنية المنفتحة على العالم، ويحضر السلام والعيش المشترك وثقافة الحياة. والدول التي تحجز مكانها في خريطة القرن الواحد والعشرين هي الدول التي تصنف ضمن “الحضارات ما بعد البطولية”.
لهذا فإن الدرس الأساسي الذي على المغرب الرسمي استخلاصه من الحرب في الشرق الأوسط الأخيرة هو أن يستثمر قوته وحنكته وتجربته في ترسيخ صورة “المغرب باعتباره مشروع جنة اقتصادية في مرحلة سلم”. ترسيخ هذه الإستراتيجية يتم من خلال تطوير فن الحكم المعتمد على بناء التوافقات الوطنية والدولية التي تخدم المصلحة العامة. في كتابه البؤساء سيؤكد فيكتور هيغو أن “أكبر بلادة هي الاعتقاد بوهم النصر، بينما أكبر انتصار هو القدرة على الإقناع”.
يقول ستارجليك إن العصر الحالي ليس فقط عصر المفترسين الذين يعتقدون أن الحل الوحيد يتمثل في القدرة على تدمير الآخر وتحطيمه، ولكنه كذلك عصر الأطباء النفسيين السياسيين الذين عليهم أن يعملوا من خلال حصص العلاج النفسي السياسي على سلامة وصحة خصومهم.
الحرب الأمريكي الإسرائيلية على إيران، والرد الإيراني بضرب الدول الخليجية، وخصوصا الإمارات العربية المتحدة، هو ضرب لنموذج تدبيري جديد في العالم العربي والإسلامي وللأنظمة الملكية. النموذج التدبيري للإمارات اعتمد على إستراتيجية ضرورة الانتقال من اقتصاد يصنف في إطار اقتصاد محطات البنزين إلى اقتصاد متنوع ومنفتح، وهذا الانتقال لم يكن سهلا، إذ اصطدمت الإستراتيجية الإماراتية سنة 2006 برفض الكونغرس الأمريكي استثمارات صندوق دبي العالمي في شراء أسهم في موانئ أمريكية. هذا الرفض كان سببه تصنيف الكونغرس الأمريكي النظام الإماراتي بالنظام الإرهابي وغير الصديق، ما جعل القادة الإماراتيين يفهمون الدرس جيدا، والمتمثل في ضرورة تغيير الإستراتيجية الدبلوماسية الإماراتية أولا من خلال الانتقال إلى إستراتيجية قريبة ومتعاطفة مع الغرب، وهي مواجهة بين نموذج دبي ونموذج طهران.
* باحث في العلوم السياسية والمالية العامةThe post "محور الخير" والعقل الإستراتيجي المغربي .. دروس في التموقع الجيوسياسي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.