مشاهدات من أديس أبابا (2) .. سيرا على الأقدام إلى مقر الاتحاد الإفريقي
2
لم أنم سوى أقل من ثلاث ساعات. كان التعب حاضرًا، لكن فضول الاكتشاف كان أقوى من الحاجة إلى النوم. نهضت، أخذت حمامًا سريعًا، ثم توجهت إلى قاعة الإفطار، وكأنني أريد أن أبدأ علاقتي بالمدينة من خلال تفاصيلها اليومية الأولى.
كان المكان يعج بأشخاص من جنسيات مختلفة. استطعت أن أميز بعض الزوار الروس من خلال بشرتهم البيضاء وأحاديثهم، أما البقية فكانوا ينتمون، على ما يبدو، إلى بلدان إفريقية متعددة. كنت أنظر إلى الوجوه أكثر مما أنظر إلى أطباق الإفطار الروسية، والإثيوبية، والإفريقية، والآسيوية… شعرت للحظة أن الفندق ليس فندقًا، بل محطة صغيرة يلتقي فيها العالم قبل أن يتفرق من جديد.
لفت انتباهي أيضًا أن معظم العاملين في الفندق كانوا من الشباب، كانوا في كل مكان: في الاستقبال، والخدمة، والتنظيم. جعلني ذلك أطرح سؤالًا عابرًا ظل يرافقني: أين يوجد كبار السن؟ ما أدوارهم؟ وأين تتركز خبراتهم في مجتمع يبدو أن شبابه يحتلون واجهة المشهد؟.
ربما لم يكن غياب كبار السن هو ما لفت انتباهي، بل حضوري أنا بثقافة اعتادت أن ترى كبار السن في واجهة الحياة اليومية. كنت أقارن، دون أن أشعر، مجتمعًا بمجتمع آخر، قبل أن أمنح الأول فرصة أن يعرّف نفسه بنفسه.
ثم تذكرت أن إثيوبيا، التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، مثل كثير من البلدان الإفريقية، مجتمع فتي؛ فمتوسط العمر في القارة الإفريقية يقل كثيرًا عن أوروبا وآسيا. ربما لهذا السبب بدا حضور الشباب طبيعيًا أكثر مما بدا لي في اللحظة الأولى.
لم يكن إفطاري كبيرًا، اكتفيت بكوب شاي ساخن وبعض الخبز المحلى الذي لم أستطع إكماله. ربما قلة النوم، وربما ارتفاع المدينة عن سطح البحر، أثرا في شهيتي؛ لكن الحقيقة أنني لم أكن أفكر كثيرًا في الطعام، فقد كان ذهني منشغلًا بشيء آخر: الخروج، المشي، واكتشاف المدينة التي طالما عرفت اسمها قبل أن أعرف شوارعها.
علمت لاحقًا أن اسم “أديس أبابا” يعني في اللغة الأمهرية “الزهرة الجديدة”. اختارت الإمبراطورة تايتو هذا الاسم أواخر القرن التاسع عشر، عندما قرر الإمبراطور منليك الثاني نقل العاصمة إلى هذا المكان، ليصبح اسم “الزهرة الجديدة” إعلانًا عن مدينة ولدت لتكون عاصمة لدولة لم تخضع للاستعمار الأوروبي إلا لفترة قصيرة جدًا؛ فقد حاول الإيطاليون استعمارها مدة خمس سنوات، وبقيت إثيوبيا تفتخر بأنها الدولة الإفريقية التي لم تُستعمر. ربما لهذا السبب لا يحمل الاسم معنى جغرافيًا فقط، بل أيضًا شيئًا من فكرة البداية.
ابتسمت وأنا أستحضر طفولتي، لأن الاسم لم يكن يعني لنا هذا المعنى إطلاقًا؛ ففي الأمازيغية التي نشأت عليها تعني كلمة “أديس” البطن، ولذلك كنا، نحن الأطفال، كلما سمعنا اسم المدينة في المذياع ننفجر ضاحكين، ونخترع حوله النكات والتعليقات الطفولية التي لا تنتهي.
ولم يخطر ببالي يومًا أن ذلك الاسم الذي كان يثير ضحكنا سيصبح، بعد سنوات طويلة، عنوانًا لرحلة سأقطع من أجلها آلاف الكيلومترات، لأكتشف أن الكلمات، مثل المدن، تخفي وراء أصواتها عوالم لا نعرفها.
ربما لهذا السبب لا ينبغي أن نحكم على الأمكنة من أسمائها، ولا على الشعوب من الصور التي تصلنا عنها؛ فبين اللفظ والمعنى، وبين الخبر والواقع، مسافات لا يختصرها إلا السفر.
فتحت هاتفي، وبحثت عن مقر الاتحاد الإفريقي، اكتشفت أنه ليس بعيدًا عن الفندق، ويمكن الوصول إليه سيرًا على الأقدام في حدود نصف ساعة. بدا الأمر مغريًا؛ فلطالما آمنت بأن أفضل طريقة للتعرف على مدينة جديدة ليست من خلف زجاج السيارة، بل من خلال خطوات تمشي فوق أرصفتها، وتلتقط تفاصيلها الصغيرة.

أديس أبابا مدينة ترتفع عن سطح البحر بأكثر من ألفي متر، لكنها ترتفع أيضًا في الذاكرة السياسية لإفريقيا؛ فهي ليست مجرد عاصمة لإثيوبيا، بل مدينة تتقاطع فيها طرق القارة، وتُصاغ فيها كثير من قراراتها، وتلتقي على أرضها وفودها وقادتها ودبلوماسيوها.
وأنا أسير نحو مقر الاتحاد الإفريقي الذي يضم 55 دولة، كان شيء آخر يلفت انتباهي؛ المدينة كلها بدت وكأنها ورشة عمل مفتوحة. عمارات شاهقة ترتفع نحو السماء، وطرق تُعبد، وأرصفة تُرمم، وحدائق يعاد الاعتناء بها. في كل زاوية كان هناك عمال وعاملات يتحركون بإيقاع منتظم، كخلية نحل لا تعرف السكون. لم يكن المشهد يوحي بمدينة تكتفي بإدارة حاضرها، بل بمدينة تحاول أن تبني مستقبلها، حجرًا بعد حجر.
كل مدينة لها سرعتها الخاصة. بعض المدن تجبرك على الركض، وبعضها يدعوك إلى التمهل. وأديس أبابا بدت لي من النوع الثاني، كنت أكتشفها بخطواتي، لا بعدسة الهاتف فقط…
وحين وصلت إلى البوابة الرئيسية لمقر الاتحاد الإفريقي كان الحضور الأمني واضحًا. سيارات رسمية، وعناصر أمن، وإجراءات مشددة. علمت أن المبنى يستعد لاستقبال اجتماع تحضيري لوزراء خارجية الدول الإفريقية، تمهيدًا لقمة قارية مرتقبة؛ عندها أدركت أنني لا أقف أمام مبنى إداري فحسب، بل أمام أحد أكثر الأماكن رمزية في القارة، المكان الذي تجتمع فيه، على الأقل نظريًا، آمال أكثر من مليار إفريقي، كما تجتمع فيه خلافاتهم أيضًا. فقد تأسست منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا سنة 1963، قبل أن تتحول عام 2002 إلى الاتحاد الإفريقي. ومنذ ذلك الحين بقيت المدينة عاصمة الدبلوماسية الإفريقية، حتى صار من الصعب أن تذكر أديس أبابا دون أن يحضر معها اسم الاتحاد.
كلما تقدمت في الطريق كنت أصادف نساء يرتدين اللباس الإثيوبي التقليدي، يغلب عليه اللون الأبيض، فيضفي على الشارع هدوءًا وأناقة لا تخطئهما العين. كانت الأقمشة البيضاء تتحرك مع نسيم الصباح، وكأن المدينة خرجت لتوها من صلاة أو من احتفال هادئ.
كنت أوزع الابتسامات على كل من تقع عليه عيناي. بعضهم يبادلني الابتسام، وآخرون يكتفون بنظرة عابرة، لكنني كنت أشعر أن الابتسامة، مهما اختلفت اللغات، تظل أقصر الطرق إلى البشر.
في أحد التقاطعات استوقفت عسكريًا بزيه الرسمي لأتأكد أنني أسير في الاتجاه الصحيح نحو مقر الاتحاد الإفريقي؛ توقعت أن يتوقف ليجيبني، لكنه اكتفى بأن أشار بيده إلى مجموعة من الشبان يجلسون على الرصيف، يحملون صناديق وأدوات تلميع الأحذية، ثم واصل طريقه.
فهمت من إشارته أنه يفضل أن أستفسر من المدنيين. لم أكن في حاجة إلى ذلك، فقد كانت خريطة “غوغل مابس” تؤكد أنني أسير في الاتجاه الصحيح، لكن ذلك الموقف القصير ترك في نفسي سؤالًا: كم تغيرت وظيفة السؤال في زمن الهواتف الذكية؟ قبل سنوات كان سؤال المارة جزءًا من متعة السفر، وربما بداية لحوار أو صداقة عابرة. أما اليوم فصار المسافر يثق في شاشة صغيرة أكثر مما يثق في ذاكرة المدن وسكانها.
كان غريبًا أن أصل إلى مقر الاتحاد الإفريقي سيرًا على الأقدام، فقبل ساعات فقط كنت أعبر الحدود بصفتي مسافرًا، وها أنا الآن أقف أمام مؤسسة تحاول، منذ عقود، أن تجعل الحدود أقل حضورًا في مستقبل القارة.
تساءلت وأنا أتأمل المبنى: كم قرارًا خرج من هنا غيّر حياة ملايين الأفارقة؟ وكم قرارًا بقي حبيس البيانات الختامية؟ فالمباني، مهما بلغت فخامتها، لا تصنع التاريخ وحدها؛ الذي يصنعه هو ما يدور داخل قاعاتها.
غادرت بوابة الاتحاد الإفريقي ببطء. كانت أعلام الدول الإفريقية ترفرف في الهواء، كل علم يحمل لونًا، وكل لون يحمل قصة، وكل قصة تحمل حلمًا مختلفًا. أدركت أن إفريقيا لا ينقصها الحلم، بل الطريق الذي يجمع الأحلام كلها في اتجاه واحد.
The post مشاهدات من أديس أبابا (2) .. سيرا على الأقدام إلى مقر الاتحاد الإفريقي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.