معدلات البطالة تسائل خصاص اليد العاملة في قطاعات حيوية بالمغرب

رغم استمرار معدل البطالة في مستويات تتراوح بين 12 و13 في المائة، يشهد سوق الشغل المغربي مفارقة لافتة تتمثل في وجود خصاص حاد في اليد العاملة بعدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، من أرزها الصناعة والفلاحة.

وبدأت تظهر معالم الأزمة في مدينة طنجة، حيث تواجه العديد من شركات “الكابلاج” خصاصا في اليد العاملة وإقناع الشباب بالالتزام معها، وذلك بسبب رفضهم شروط العمل وضعف التعويض مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة في المدينة المليونية.

أما القطاع الفلاحي فبات هو الآخر يعاني منذ أشهر طويلة، وتعالت أصوات وشكاوى الفلاحين الذين يجدون صعوبة كبيرة في الوصول إلى العمال القادرين على مساعدتهم في رعاية محاصيلهم، أو في جنيها، وهي المرحلة التي يتفاقم فيها الخصاص بشكل كبير.

في تعليقه على الموضوع، قال عبد السلام الصديقي، خبير اقتصادي وزير التشغيل الأسبق، إن الحديث عن نقص اليد العاملة في المغرب يقتضي إجراء دراسات معمقة وتحقيقات ميدانية شاملة قبل الوصول إلى استنتاجات نهائية، مؤكدا أن ما يطرح في هذا السياق “لا يعدو أن يكون مجموعة من الفرضيات التفسيرية التي تحتاج إلى مزيد من البحث والتدقيق”.

وأشار الصديقي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن سوق الشغل في المغرب لا يشتغل وفق منطق السوق المثالية، كما أنه يفتقر إلى القدر الكافي من الشفافية، بسبب غياب وسيط عمومي فعال يضمن الربط السلس بين عرض العمل والطلب عليه.

واعتبر أنه نتيجة هذا الوضع، يضطر العديد من الباحثين عن الشغل إلى الاعتماد على أساليب “تقليدية لا تنسجم مع متطلبات الاقتصاد الحديث. ومن ثم، فإن إعلان مؤسسة ما عن حاجتها إلى اليد العاملة لا يعني بالضرورة غياب المرشحين، كما أن عدم تمكن بعض الشباب من العثور على وظيفة لا يدل بالضرورة على انعدام فرص العمل أو تشبع السوق”.

وبيّن وزير التشغيل الأسبق أن إحداث المرصد الوطني للتشغيل جاء بهدف استشراف حاجيات سوق العمل على المدى المتوسط، وتوفير المعلومات اللازمة للأشخاص الموجودين في مرحلة التكوين أو البحث عن الشغل.

وتابع قائلا: “من أبرز مظاهر اختلال سوق العمل، استمرار بعض المقاولات في التعبير عن حاجتها إلى التوظيف دون أن تجد الكفاءات المطلوبة، في الوقت الذي يواصل فيه معدل البطالة الارتفاع، بما في ذلك في صفوف خريجي المعاهد والمدارس العليا”.

وأفاد الصديقي بأن الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات رغم الإصلاحات التي شهدتها خلال السنوات الأخيرة، “لا تزال لا تغطي جميع مناطق المملكة”، موردا أن خدماتها ظلت لفترة طويلة موجهة أساسا إلى حاملي الشهادات، قبل أن تتوسع تدريجيا لتشمل فئات أخرى من الباحثين عن العمل، داعيا إلى تعزيز التعريف بخدمات الوكالة وتوسيع نطاق الاستفادة منها.

ومن بين العوامل التي قد تفسر أيضا ما يوصف بنقص اليد العاملة، سجل الخبير الاقتصادي أن عامل الأجور وظروف العمل بارزان في هذا المستوى؛ إذ إن شخصا يقطن في مدينة كبرى مثل طنجة “قد لا يكون من المجدي اقتصاديا له قبول وظيفة بأجر لا يتجاوز الحد الأدنى القانوني، خاصة إذا كانت تفتقر إلى التغطية الاجتماعية؛ وفي مثل هذه الحالات، قد يفضل البعض العمل في القطاع غير المهيكل أو ممارسة أنشطة مستقلة توفر لهم دخلا أفضل أو مرونة أكبر”.

وأكد المصدر نفسه أن هذا الأمر ينطبق على القطاع الفلاحي، ولا سيما خلال المواسم الزراعية الجيدة، حيث تعاني العديد من الضيعات من صعوبات في استقطاب اليد العاملة بسبب طبيعة العمل الشاق وطول ساعات الاشتغال، إضافة إلى اعتماد نظام الأجر اليومي الذي لا يوفر الاستقرار المهني المطلوب.

وذهب الصديقي إلى أن هذه العوامل مجتمعة قد تسهم في تفسير ظاهرة نقص اليد العاملة في بعض القطاعات، ودعا إلى تعزيز الشفافية داخل سوق الشغل، سواء في القطاع العام أو الخاص، وتحسين الحكامة وآليات التدبير، إلى جانب تسريع إدماج القطاع غير المهيكل في الاقتصاد الوطني والحد من ازدواجية سوق العمل، بما يساهم في تقليص الاختلالات وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

من جهته، أكد المحلل الاقتصادي محمد جدري أن هذه الوضعية تعكس اختلالا بين العرض والطلب في سوق العمل، حيث تجد العديد من المقاولات والقطاعات صعوبة متزايدة في استقطاب العمال، مقابل استمرار شريحة واسعة من الشباب في البحث عن فرص شغل مناسبة.

يبرز هذا الخصاص، حسب جدري، بشكل واضح في القطاع الفلاحي، الذي عرف خلال المواسم الأخيرة صعوبات كبيرة في توفير اليد العاملة اللازمة، خاصة خلال فترات الجني، موردا أن عددا من الفلاحين اضطرّوا إلى “بيع محصول الزيتون وهو لا يزال في الأشجار بسبب عدم توفر العمال الكافين لجنيه”.

وأشار المحلل الاقتصادي، في تصريح لهسبريس، إلى أن العديد من الأنشطة الفلاحية الأخرى تواجه الإشكال نفسه نتيجة عوامل عدة، من بينها انتقال السكان من القرى إلى المدن بفعل توالي سنوات الجفاف، وتحول بعض العمال إلى مهن أخرى، إضافة إلى تخوف بعض المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي من فقدان هذه الاستفادة في حال التحاقهم بسوق الشغل النظامي.

ولا يقتصر النقص في اليد العاملة على القطاع الفلاحي فقط، بل يمتد، وفق جدري، إلى قطاعات أخرى مثل “البناء والأشغال العمومية، حيث أصبح الاعتماد متزايدا على العمال الوافدين من دول إفريقيا جنوب الصحراء لسد الخصاص المسجل”.

وبيّن أن المنظومة الصحية بدورها تعاني من “نقص في الأطباء والممرضين والأطر المساعدة، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الموارد البشرية المؤهلة”، بالإضافة إلى عدد من القطاعات الأخرى.

وذكر المتحدث أن جزءا من المشكلة البارزة يرتبط أساسا بظروف العمل ومستويات الأجور المعروضة في بعض القطاعات، لافتا إلى أن الكثير من الشباب أصبحوا “أكثر حرصا على اختيار وظائف تضمن لهم الحد الأدنى من الكرامة المهنية والدخل اللائق، في مقابل عروض عمل تتطلب ساعات طويلة من العمل مقابل أجور محدودة لا تغطي في بعض الأحيان سوى تكاليف النقل والمعيشة اليومية”.

وأبرز أن هذا الوضع يظهر بشكل خاص في بعض الصناعات التحويلية، ومنها صناعة “الكابلات”، حيث يفضل عدد من الشباب التوجه نحو أنشطة أخرى بدل الالتحاق بهذه الوظائف، كما يتجه عدد متزايد من الشباب نحو القطاع غير المهيكل، سواء من خلال العمل في خدمات التوصيل أو عبر التطبيقات الرقمية الخاصة بالنقل والخدمات المختلفة.

وخلص جدري إلى أن المعطيات القائمة تُظهر الحاجة إلى معالجة شاملة لاختلالات سوق الشغل بالمغرب، وذلك عبر تحسين ظروف العمل، ورفع جاذبية بعض المهن، وتعزيز التكوين المهني، وإيجاد آليات تضمن التوفيق بين برامج الدعم الاجتماعي ومتطلبات الإدماج المهني، بما يساهم في تلبية حاجيات القطاعات الاقتصادية من اليد العاملة المؤهلة والحد من تفاقم البطالة في الوقت نفسه.

The post معدلات البطالة تسائل خصاص اليد العاملة في قطاعات حيوية بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress