من اتش اس بي سي إلى ميزوهو: المصارف العالمية تتخذ سياسات مختلفة مع ثورة الذكاء الاصطناعي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في غضون 48 ساعة فقط، أطلّ رئيسان تنفيذيان لمصرفين من أكبر مصارف العالم على مستثمريهما بخطابين متباينين حول الذكاء الاصطناعي والوظائف، كاشفَين عن استراتيجيتين مختلفتين لمواجهة التحوّل ذاته.

 

الأول كان بيل وينترز، الرئيس التنفيذي لبنك ستاندرد تشارترد (Standard Chartered)، الذي أعلن الثلاثاء 19 أيار/مايو 2026 عزم البنك على خفض ما بين 7,000 و 7,800 وظيفة بحلول 2030، أي ما يزيد عن 15% من وظائفه الخلفية، لتكون المجموعة أول بنك عالمي كبير يُفصح صراحةً عن تقليص مباشر مرتبط بالذكاء الاصطناعي. وقال وينترز إن البنك يسعى إلى استبدال "رأس المال البشري منخفض القيمة" بالتكنولوجيا، مُشيراً إلى أن الوظائف المتأثرة تتركز في الموارد البشرية والمخاطر والامتثال في مراكز البنك في الهند والصين وبولندا وماليزيا، وأن التدريب قد يُتيح إعادة توظيف بعض الموظفين في أدوار أخرى.

 

 

جورج الحديري الرئيس التنفيذي لبنك اتش اس بي سي (موقع الشركة)

 

 

 

بعد أربع وعشرين ساعة، جاء الرد غير المباشر من جورج الحديري، الرئيس التنفيذي لبنك HSBC، خلال يوم المستثمرين في هونغ كونغ، الأربعاء 20 أيار/مايو 2026. قال الحديري: "نعلم جميعاً أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيدمّر بعض الوظائف، وسيخلق وظائف جديدة"، ثم بادر إلى تأطير المسألة بصورة مختلفة: مهمته ليست إدارة الأعداد، بل ضمان أن يكون 200,000 موظف "مُجهَّزين بكل القدرات والتدريب والأدوات التي تجعلهم جاهزين للمستقبل، ونسخاً أكثر إنتاجية من أنفسهم".

 

وأشار البنك في عرضه التقديمي إلى أنه يعمل على تبسيط مسارات عمل متعددة عبر الذكاء الاصطناعي، مستهدفاً تقليص وقت استقطاب العملاء الجدد بنسبة 50%، فيما عيّن البنك في 23 آذار/مارس 2026 ديفيد رايس أول مدير تنفيذي للذكاء الاصطناعي في تاريخه.

 

ميزوهو: نموذج ثالث بين التسريح وإعادة التأهيل

لا يقتصر المشهد على المصرفين البريطانيين. ففي شباط/فبراير 2026، أعلنت مجموعة ميزوهو المالية (Mizuho Financial Group)، ثالث أكبر مصرف ياباني، عزمها على تحويل عمل ما يصل إلى 5,000 من أصل 15,000 وظيفة إدارية إلى الذكاء الاصطناعي خلال السنوات العشر المقبلة. والفرق الجوهري أن ميزوهو رفض منذ البداية تصنيف قراره ضمن موجة التسريح، إذ أكّد في بيانه الرسمي: "هذا ليس تقليصاً للكوادر، بل إعادة توجيه للموارد البشرية نحو مجالات تركيزنا الاستراتيجي"، وسيُعاد توزيع الموظفين المتأثرين على أدوار أخرى، فيما سيتم أيّ خفض تدريجي عبر التقاعد الطبيعي لا الفصل المباشر. وقال ماساهيرو كيهارا، الرئيس التنفيذي للمجموعة: "لا أعتقد أن البشر سيفقدون قيمتهم. يمكنهم السعي نحو عمل أعلى قيمة مضافة".

 

يكشف نموذج ميزوهو عن دافع إضافي لا يواجهه نظراؤه الغربيون بالقدر ذاته: شُحّ اليد العاملة في اليابان بفعل الشيخوخة السكانية، ما يجعل توظيف الذكاء الاصطناعي ضرورة اقتصادية لسدّ الفجوات لا لخفض التكاليف فحسب. وفي هذا السياق، تسير المصارف اليابانية في ركب برنامج حكوميّ، تقوده رئيسة الوزراء ساناي تاكاييتشي، الذي يستهدف رفع معدّل توظيف الذكاء الاصطناعي في القطاع العام من 50% إلى 80%.

 

الجدوى الاقتصادية: درس جي بي مورغان

تُثبت تجربة جي بي مورغان (JPMorgan Chase) أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي قادر على تحقيق عوائد ملموسة بصرف النظر عن المقاربة المتبعة في إدارة الكوادر. فقد صرّح رئيسه التنفيذي جيمي ديمون لبلومبرغ في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بأن البنك ينفق نحو مليارَي دولار سنوياً على الذكاء الاصطناعي، ويُحقق مدّخرات مكافئة تبلغ المبلغ ذاته سنوياً، واصفاً ذلك بأنه "مجرد البداية.". وهو ما يُعزّز الرواية المشتركة لجميع هذه المصارف بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً تنافسياً، بل ضرورة بقاء.

 

الصورة الأشمل: ماذا تقول الأرقام؟

ما تشهده قاعات المستثمرين في لندن وهونغ كونغ وطوكيو ليس إلا انعكاساً لتحوّل بنيوي أعمق يرصده الاقتصاديون. يُقدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 60% من الوظائف في الاقتصادات المتقدّمة معرّضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وأن نصفها قد يستفيد من دمج التقنية عبر تعزيز الإنتاجية، في حين قد تُلغي التقنية النصف الآخر أو تُقلّص الطلب عليه. أما في الأسواق الناشئة فتبلغ النسبة 40%، وفي الدول منخفضة الدخل 26%.

 

وعلى المستوى الميداني، رصد تقرير صادر عن غولدمان ساكس (Goldman Sachs) في نيسان/أبريل 2026 أن الذكاء الاصطناعي يُقلّص نمو التوظيف بنحو 16,000 وظيفة شهرياً في الولايات المتحدة في القطاعات المعرّضة للاستبدال، في مقابل إضافة نحو 9,000 وظيفة شهرياً في القطاعات التي يُكمل فيها الذكاء الاصطناعي العمل البشري. وعلى المدى البعيد، يُقدّر البحث ذاته أن 300 مليون وظيفة حول العالم معرّضة للأتمتة. والسؤال الذي تتجنب البنوك الإجابة عنه بصراحة هو ما إذا كانت الوظائف الجديدة التي يخلقها الذكاء الاصطناعي ستذهب إلى من فقدوا وظائفهم بسببه، أم إلى كوادر مختلفة كلياً في المهارات والتكوين.

 

خمسة حقائق أساسية

• ستاندرد تشارترد يُقلّص ما بين 7,000 و7,800 وظيفة بحلول 2030، تتركز في الموارد البشرية والمخاطر والامتثال في الهند والصين وبولندا وماليزيا.
• HSBC يُعيّن أول مدير تنفيذي للذكاء الاصطناعي في 23 آذار/مارس 2026، مستهدفاً تقليص وقت استقطاب العملاء بنسبة 50% وفق عرضه التقديمي ليوم المستثمرين.
• ميزوهو يُعلن تحويل عمل 5,000 وظيفة إدارية بالذكاء الاصطناعي خلال 10 سنوات مع نفيه الصريح أن يكون ذلك تقليصاً للكوادر.
• جي بي مورغان يُنفق ملياري دولار سنوياً على الذكاء الاصطناعي، ويحصد مدّخرات مكافئة، وفق تصريح ديمون لبلومبرغ في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
• صندوق النقد الدولي: 60% من وظائف الاقتصادات المتقدمة معرّضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، وإمكانية الاستفادة تساوي إمكانية التهديد.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية