من الجوع إلى الرخاء

تقدّم دول إفريقية عديدة نماذج حيّة عن الإنسان الإفريقي الذي يمكنه أن يتحرر اقتصاديا وأمنيا، ويوفر لنفسه الغذاء، من دون انتظار المستعمر القديم، الذي لا يعطي، إلا بشروط، بعضها يرهن الشرف والكرامة.
ما حققته إثيوبيا التي كان ينكّت بعض العالم عن جوع أهلها وخلوّ مخابزها ومطاعمها وبيوتها من رغيف الخبز، هو تحدّ ودرس بليغ، لا يمكن سوى الاقتداء به، فقد قفز هذا البلد الإفريقي الذي كانت صور موتى الجوع القادمة من أريافه، تقطّع قلوب العالم، إلى المركز السابع عالميا في إنتاج القمح، وحقق اكتفاء ذاتيا، وباشر اتصالاته حتى مع بلاد أوروبية، لأجل تزويدها بالقمح الإثيوبي، صلبه وليّنه، وأيضا بما يطيب للموائد احتضانه من ذرة وشمندر وعباد شمس…
ولأن التحدي لا سقف له، فإن إنتاج القمح في إثيوبيا قفز في ظرف عشر سنوات، من 2.5 مليون طن، إلى 33 مليون طن، والرقم مرشح لمزيد من المضاعفة بعد أن لحق بإنتاج كندا، ويطلب أن يزيد.
لقد أثبتت التجارب التنموية الناجحة، أن التفوّق في ميدان ما، يستنسخ نجاحات في قطاعات أخرى، لأن إنتاج القمح، مثلا، بهذه الكمية الفلكية التي صارت تهدد مكانة أكبر الدول المنتجة للقمح من روسيا إلى أوكرانيا، يستوجب توفير المياه بكمية كبيرة والاستعانة بصناعة فلاحية راقية، من آلات حرث عصرية إلى أماكن التخزين وسيولة في نقل أطنان من القمح بين المدن والقرى الإثيوبية، وإلى خارج البلاد، وطائفة من الخبراء والمهندسين الذين رفعوا الرقم، مطالبين بالحفاظ عليه والقفز به إلى أرقام أعلى.
النموذج الغربي لم يعد يستحق الإتّباع والتقليد، فهم لا يعطونك أسرار تجربة أو قشورها، إلا مبتورة أو بشروط، بينما تقدّم بلاد أخرى تجربتها من دون “تشفير”، كما هو حال أندونيسيا، البلاد التي كانت تجوع عندما كانت نفطية منتمية لـ”الأوبيب”، وعندما جفت حقولها تحوّلت إلى واحدة من أكثر عشر دول في العالم، توهّجا اقتصاديا.
رواندا والبرازيل وتركيا وإثيوبيا والجزائر أيضا، هي بلاد فهمت بأن الإنسان الأوروبي أو الغربي لا يختلف بذكائه وفطنته عن أي عرق آخر، فانطلقت معتمدة على أرضها وشعوبها، وهي بصدد تحقيق أشياء مهمة، تجلَّت من خلال الاستغناء نهائيا عن وصاية بعض البلاد وعلى رأسها فرنسا التي ما عاد قمحها يثير شهية، ولا حليبها أو سياراتها أو دواؤها…
الذين أرادوها فتنا وحروبا في قلب القارة السمراء، إنما أرادوا إشغال الإفريقيين بأمور جانبية حتى يبقوا من أكلة ما يزرع هناك، و”الصمّ البكم” لما يدور في بلادهم.
وما يحدث في الساحل الإفريقي هو بعض، يريدونه كلّا، في قارة بدأت ترسم نفسها بنماذج كثيرة، برغم داء المحن، وأعداء الأمس المتجددين.

شاهد المحتوى كاملا على الشروق أونلاين

The post من الجوع إلى الرخاء appeared first on الشروق أونلاين.

اقرأ المقال كاملاً على Echorouk