من “حزب صراصير جاناتا” إلى “ذيكاروثين أبارعوجن” بالريف
قد تبدو الصراصير (إبارعوجن)، للوهلة الأولى، مجرد كائنات صغيرة ارتبطت في المخيال الشعبي الريفي بالقذارة. ولذلك، فإن استعمالها ضمن هذا المقال حول الحالة الريفية لا يحيل، بالمطلق، إلى الشحنة الاحتقارية أو المهينة لهذا الشعار أو الرمز.
لكن التاريخ الاجتماعي للشعوب يعلمنا أن الرموز، كيفما كانت، لا تبقى دائما ملكا لمن ينتجها. فقد يحدث أن يستولي المهمشون والفقراء على الرمز المهين، ويعيدوا صياغته ضمن دينامية اجتماعية أو سياسية، ليصبح أداة مقاومة وسخرية سياسية. وهذا بالضبط ما يحدث في الآونة الأخيرة في إحدى التجارب الاحتجاجية الهندية المفتوحة، عندما تحول وصف الشباب بعبارة “الصراصير” المهينة، الصادرة عن مسؤول كبير في سلك القضاء، إلى مناسبة لتأسيس إطار ساخر حمل اسم “حزب صراصير جاناتا”. ولم يكن الهدف تأسيس حزب بالمعنى التقليدي، بل قلب المعادلة الرمزية، وتحويل الإهانة إلى وسيلة لفضح القاضي الذي يرى المحتجين من الشباب الهندي مجرد عناصر مزعجة ينبغي التخلص منها.
شخصيا، أرى في هذه التجربة درسا سياسيا مهما: إن من يملك القدرة على إعادة تعريف الرمز، كيفما كان، يمتلك جزءا من القوة الرمزية. فالسلطة المستبدة قد تحاول إنتاج صورة عن خصومها باعتبارهم فوضويين أو غير مهمين أو غير قادرين على الفعل، لكن السخرية الجماعية قد تعيد بناء هذه الصورة وتحولها إلى مصدر قوة. وهنا يصبح “الصرصور” ليس علامة على الهامش، بل استعارة للبقاء والصمود والقدرة على مواجهة نظام أكبر منه.
غير أن انتقال هذه الاستعارة إلى السياق الريفي يفتح بابا آخر من التحليل. فالصورة لا تعود هنا مرتبطة بالمهمش الذي يقاوم تسلط وفساد وهيمنة دولة القبضة الأمنية المخزنية بالريف، بل قد تتحول إلى أداة لفهم ظاهرة مختلفة: ظاهرة ما يسمى بـ”إبارعوجن” المواسم الانتخابية بالريف، الذين يعيشون ويتغذون على الأزمات والانقسامات والتضخيم الأمني، وشيطنة كل ما هو خارج دائرة “ذيكاروثين أبارعوجن”، والتصغير منه، وتحويل غياب الإرادات الحرة والمستقلة إلى انتصارات وهمية في الصفحات الافتراضية المأجورة.
وتقديمي لهذا التعبير الساخر، العميق الدلالة، “ذيكاروثين أبارعوجن”، أي “دكاكين الصراصير”، وتوظيفه في تفكيك الحالة الريفية الراهنة، مرتبط أساسا بقدرة المخيال الشعبي الريفي، لغويا، على إنتاج أوصاف دقيقة وعميقة لحالات يصعب دائما إيجاد المصطلح الدقيق الذي يلائمها في الذاكرة الشعبية الريفية.
فـ”ذكاروط” في المخيال الشعبي الريفي ليس فقط مكانا للبيع والشراء، بل فضاء قزميا، في الغالب، للعرض والطلب والمساومة. وعندما يصبح دكانا للصراصير السياسية (ذكاروط إبارعوجن)، فإن المعنى يتحول إلى نقد لهذا الفضاء الميت، الذي يكثر فيه الضجيج الموسمي الانتخابي دون مصلحة عامة.
ومن هنا يمكن قراءة “ذيكاروثين أبارعوجن” كمفهوم اجتماعي يلامس جوهر الحالة الريفية، ويتجاوز السخرية الشعبية المحلية. إنه يصف حالة انحطاط عروض السيرك الانتخابوي بالريف، حيث الفراغ، وموت العمل السياسي، لم يعودا خافيين على أحد.
فالسياسة في الحالة الريفية المعاصرة بصمت عليها ظاهرة ما يمكن أن نسميه بـ”إيبارحن” (البراحين)، “إيبارحن نذكاروثين نارباط”، الذين لا علاقة لهم بالعمل السياسي، لا من قريب ولا من بعيد. فهذا طاشرون الإسمنت المسلح، وذاك سمسار الأزمات، وقريب منه جاهل ورث مهنة البراح عن أبيه الأمي، وعاش على لصوصية ما يسمى بالدقيق المدعم، وآخرون قذفت بهم أجهزة البوليس السياسي إلى الواجهة، فأصبحوا أبطالا من ورق يبحثون عن مجد مزيف في بورصة وسوق “إبارعوجن” الانتخابات بوطن وشعب عبد الكريم.
هنا يظهر لي، شخصيا، الفرق الأساسي والجدير بالاقتباس بين الحالة الهندية الراهنة للاحتجاجات وتجليات الظاهرة الضجيجية للانتخابات في الريف. ففي الحالة الهندية، كان تحويل وصف “الصراصير” إلى هوية ساخرة نوعا من استعادة الكرامة من طرف من تعرضوا للتهميش. لقد أخذوا كلمة استخدمت ضدهم وأعادوا توجيهها نحو منطق السلطة.
أما في الحالة الريفية، فإن مفهوم “دكاكين الصراصير” يشير إلى خطر مختلف: خطر استمرار كائنات سراق الزيت في تغذية ومحاصرة أي انفراج اجتماعي وحقوقي وسياسي بالمنطقة. وهنا، لا بد من القول إنه، بالنسبة لي شخصيا، لا يمس هذا التعريف التنظيمات السياسية التي وقفت وساندت نضالات شعب الحراك. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم ظاهرة “ملحقات أحزاب الصراصير”، ليس باعتبارها أحزابا بالمعنى القانوني، بل باعتبارها ذهنية متخلفة تقوم على كثرة الدكاكين الفارغة، وإنتاج قيادات لصوصية بلا قواعد اجتماعية حقيقية، ولا حتى ولاءات قبلية أو عائلية.
يعاني المجال الريفي، منذ عقود، من أزمة عميقة في التمثيل السياسي. فقد أدى ضعف المؤسسات الوسيطة، وغياب قنوات ديمقراطية فعالة، وتاريخ طويل من التهميش والحصار وسياسة العقاب الجماعي والعسكرة، إلى خلق فراغ سياسي ورمزي.
وفي كل فراغ تظهر محاولات “إبارعوجن” لملئه، وأغلبهم أتوا أو قذف بهم بدافع بسط الفشل وتوظيفهم لخدمة المعبد الأكبر.
شخصيا، لا آتي بجديد حين أقول إن المجال الريفي كان دائما، بحكم التاريخ والثقل الرمزي، مجالا جذابا لمختلف أشكال تنامي براحي الصراصير الانتخابية. فأي قضية، عندما تتحول من مشروع جماعي طموح إلى ملكية شخصية، تفقد جوهرها. وعندما يصبح الحديث باسم الريف أهم من العمل من أجل مصلحة أهل الريف، يتحول التمثيل السياسي المحتمل إلى مبتغى مصلحجي لصوصي، في الغالب. ومثال ذلك كرنفالات ما يسمى بأوراش ما قبل سيرك الانتخابات التي نراها هذه الأيام، حيث لا تشتغل الجرافات الصدئة إلا خارج الوقت الإضافي لكرنفالات السيرك الانتخابي بالريف. وهنا تكمن خطورة “دكاكين الصراصير”: فهي لا تهدم القضية بالضرورة عبر مهاجمتها، بل قد تستنزفها عبر كثرة الادعاء بشرعية الحديث باسمها.
من بين التحولات العميقة التي عرفها العصر الرقمي الراهن أن السياسة أصبحت مرتبطة، بشكل متزايد، بالصورة. فلم يعد يكفي أن يعمل الصرصور الريفي في صمت، بل أصبح مطالبا بالحضور المستمر، والنشر المستمر، وإنتاج المواقف اليومية. لذلك تراهم يفرخون، يوميا، منصات لخدمة الصراصير الانتخابية، هدفها خلق بيئة موسمية بصباغة مزيفة ومضللة، تذكر قطيع الصراصير بإنجازات تنموية وهمية لصالح الساكنة بالريف. لكن هذه البيئة الجديدة القديمة هدفها فقط إظهار نوع من السياسة الاستعراضية، حيث يمكن للصورة أن تحل محل المشروع، ويمكن للخطاب أن يحل محل التنظيم. إنها صفحات تجميل الصراصير القديمة بالفيلتر الجديد، أو، بمعنى آخر، صالونات تجميل الصراصير الانتخابية لا غير. وهنا تتكاثر “ذيكاروثين”: صفحات، ومبادرات، وواجهات، وبيانات، ولقاءات، وشعارات، كلها تتنافس على جذب الانتباه لصراصير الانتخابات. لكن السؤال المركزي يبقى: ماذا أنتجت هذه الكرنفالات والصفحات السخيفة من تراكم اجتماعي على الأرض، ومن توعية بأهمية المشاركة السياسية الحقيقية للتغيير وخدمة المصلحة العامة لأغير؟
ماذا غيرت في حياة الإنسان الفقير بالريف العميق خلال التجارب والدورات السابقة؟
إن نقد ظاهرة “ذيكاروثين إيبارعوجن بالريف” لا يعني الدعوة إلى إسكات الأصوات المختلفة، بل يعني الدعوة إلى الانتقال من مرحلة الوصاية المركزية، والقطع مع الصراصير الانتخابية، إلى مرحلة البناء وفرز نخبة محلية حية وجادة، غير ملوثة بالفساد والانحطاط والاصطفاف في خندق لفيف البوليس السياسي.
فالريف لا يحتاج إلى مزيد من الصراصير الانتخابية الذين يتنافسون على لقب “الممثل الحقيقي”، بل يحتاج إلى مشاريع جماعية، ومؤسسات ديمقراطية، مدخلها انفراج سياسي حقيقي مع المنطقة، وأساسه الإفراج الفوري عن ناشطي حراك الريف، ورفع المتابعات غير القانونية عن أبناء الشتات، وإسقاط سياسة القبضة الأمنية والعقاب الجماعي.
في الأخير، تكشف المقارنة بين “حزب صراصير جاناتا” في الهند و”ذيكاروثين أبارعوجن” في الريف، بالنسبة لي شخصيا، عن مفارقة رمزية عميقة جدا. ففي الحالة الأولى، استعاد المهمشون كلمة مهينة وحولوها إلى رمز للتمرد والكرامة.
أما في الحالة الثانية، فإن التعبير الشعبي يحذر من ظاهرة مختلفة: عندما تتكاثر الدكاكين السياسية الصغيرة التي تعيش على هامش القضية، وتصبح الأزمة نفسها مصدر استمرارها.
فالفرق كبير بين من يحمل رمز الصرصور لأنه يرفض الإهانة ويقاوم التهميش، وبين من يتحول إلى “صرصور سياسي” يعيش في الشقوق (ذيفخسا) التي تتركها الأزمات، ويتغذى على ضعف التنظيمات الثقافية والمدنية بشكل عام، وتخاذل المتعلم الريفي، وتخاذل النخب التي اختارت أن تكون متفرجة جبانة تجاه كل ما يحدث.
لهذا، فإن “ذيكاروثين أبارعوجن” ليست مجرد سخرية شعبية، بل يمكن اعتبارها مفهوما نقديا لفهم أزمة التمثيل الشعبي بالريف في زمن أصبحت فيه الصراصير الانتخابية تبحث عن مجد افتراضي لا غير. فالريف لا يحتاج إلى مزيد من الدكاكين التي تبيع الكلام، بل يحتاج إلى ورشات تبني المستقبل. ولا يحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تتحدث باسمه، بل إلى قوى اجتماعية حقيقية تجعل من صوته قوة تاريخية منظمة.