واشنطن تضغط على دول إفريقية للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية

كشفت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كثفت ضغوطها على عدد من الدول الإفريقية لحملها على الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، في إطار حملة أعلنتها واشنطن ضد المحكمة، رغم أن الولايات المتحدة لم تنضم إليها منذ إنشائها بموجب نظام روما الأساسي سنة 1998.

وبحسب الصحيفة، بدأت هذه الضغوط تؤتي نتائجها، بعدما أعلنت فنزويلا، في 24 يوليو، ثم تشاد، في 27 يوليو، انسحابهما من المحكمة، وذلك بعد أقل من أسبوعين على إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في مقال نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن الولايات المتحدة ستعمل على “تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنة لبنة إذا اقتضى الأمر”.

وأوضحت “لوموند” أن إدارة ترامب صعدت هجومها على المحكمة منذ إصدارها، في نوفمبر 2024، مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، معتبرة أن المحكمة تجاوزت صلاحياتها، وهو ما دفع واشنطن إلى إطلاق حملة دبلوماسية تستهدف الحد من نفوذها وتقليص عدد الدول المنضوية تحت ولايتها.

وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن فرانك غارسيا جونيور، المسؤول الجديد عن الشؤون الإفريقية في البيت الأبيض، أجرى في 23 يوليو اتصالا بوزير العدل التشادي، وبعد أربعة أيام فقط أعلنت نجامينا أنها وجهت إلى الأمين العام للأمم المتحدة إشعارا رسميا ببدء إجراءات الانسحاب من المحكمة، وهو القرار الذي رحب به المسؤول الأمريكي عبر منصة “إكس”، معتبرا أن تشاد انضمت إلى “العدد المتزايد من الدول التي تستعيد سيادتها من مؤسسة فاشلة”، على حد تعبيره.

وبموجب نظام المحكمة، لن تصبح تشاد خارج اختصاص المحكمة إلا بعد مرور عام على إيداع إشعار الانسحاب، وعندها لن تكون ملزمة بالتعاون مع المحكمة أو المشاركة في جمعية الدول الأطراف، التي تضم حاليا 125 دولة، وتعد الدول الإفريقية أكبر كتلة فيها بواقع 33 عضوا.

وبررت السلطات التشادية قرارها بما وصفته بـ”الملاحقات ذات المعايير المزدوجة”، معتبرة أن المحكمة تركز بصورة غير متوازنة على القضايا الإفريقية، إذ إن معظم الأشخاص المحتجزين لديها متهمون بجرائم ارتكبت في القارة، وهو ما اعتبرته نجامينا دليلا على استهداف دول الجنوب وإخضاع المحكمة لتوظيف سياسي.

في المقابل، نقلت “لوموند” عن الخبير البنيني في القانون الدولي سيتوندجي رولان أدجوفي رفضه لهذه الاتهامات، مؤكدا أن تصوير المحكمة باعتبارها أداة موجهة ضد إفريقيا “أسطورة لا تستند إلى الواقع”، مشيرا إلى أن غالبية القضايا المعروضة على المحكمة جاءت بطلب من الدول المعنية نفسها أو بقرارات من مجلس الأمن الدولي.

وأضافت الصحيفة أن تشاد تمثل هدفا مهما بالنسبة للإدارة الأمريكية، لأنها كانت تعد من أكثر الدول الإفريقية تعاونا مع المحكمة منذ انضمامها إليها سنة 2006، إذ سمحت طوال سنوات لمحققي المحكمة بجمع شهادات لاجئين سودانيين فروا من إقليم دارفور، تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

وكشفت “لوموند” أن واشنطن تعتمد في حملتها على وسيلتين أساسيتين، تتمثل الأولى في إثارة مخاوف بعض الحكومات من احتمال ملاحقة مسؤولين تابعين لها أمام المحكمة الجنائية الدولية، فيما تقوم الثانية على التلويح بإعادة النظر في اتفاقيات التعاون الأمني والعسكري مع الدول التي ترفض الانسحاب، مستندة إلى خطاب يربط استمرار الشراكات الأمنية الأمريكية بموقف تلك الدول من المحكمة.

وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أن أوغندا تلقت، في 24 يوليو، رسالة أمريكية تضمنت ما وصفته مصادرها بـ”إنذار” يدعوها إلى الانسحاب من المحكمة، مع التحذير من عواقب محتملة في حال رفضت ذلك، غير أن كمبالا لم تستجب حتى الآن، كما أفادت مصادر داخل الاتحاد الإفريقي بأن بنين كانت من بين الدول التي تلقت اتصالات مماثلة، دون أن تبدي أي استعداد لتغيير موقفها.

ولفتت “لوموند” إلى أن القاضية البنينية راين ألابيني غانسو، العضو في المحكمة الجنائية الدولية، كانت ضمن ثلاثة قضاة رفعوا دعوى أمام محكمة في نيويورك خلال يونيو الماضي، اعتراضا على العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على عدد من مسؤولي المحكمة، في خطوة تعكس تمسك بعض الدول الإفريقية باستمرار عمل المؤسسة القضائية الدولية.

ورغم إعلان انسحابها، أكدت تشاد أنها لا تسعى إلى الإفلات من العدالة الدولية، ودعت الاتحاد الإفريقي إلى مراجعة الآليات القضائية القارية وتعزيزها، بينما سبق لكل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو أن أعلنت الانسحاب من المحكمة تحت تأثير تقاربها مع روسيا، مع الدعوة إلى إنشاء هيئة قضائية خاصة بمنطقة الساحل.

واستعرضت الصحيفة عددا من التجارب القضائية الإفريقية، من بينها المحكمة الخاصة التي أنشئت في دكار سنة 2015 لمحاكمة الرئيس التشادي الأسبق حسين حبري، والمحكمة الجنائية الخاصة في جمهورية إفريقيا الوسطى، إضافة إلى المحاكمات الجارية في غينيا بشأن أحداث 28 شتنبر 2009، معتبرة أن هذه التجارب تظهر وجود بدائل إفريقية، لكنها لا تزال محدودة مقارنة بحجم الجرائم المرتكبة في عدد من مناطق النزاع.

ونقلت “لوموند” عن أستاذ القانون الدولي باتريك لابودا قوله إن العديد من الأنظمة القضائية الوطنية في إفريقيا لا تزال عاجزة عن ملاحقة مرتكبي الجرائم الخطيرة، خصوصا في منطقة الساحل والقرن الإفريقي، وهو ما يجعل المحكمة الجنائية الدولية، في نظره، آلية أساسية عندما تعجز المحاكم الوطنية عن أداء دورها.

وترى الصحيفة أن كل انسحاب جديد من المحكمة يمثل ضربة لمكانتها الدولية، ليس فقط بسبب فقدان مساهمات مالية من الدول الأعضاء، وإنما أيضا بسبب تراجع قدرتها على إجراء التحقيقات وتنفيذ أوامر التوقيف، وهو ما يهدد فعاليتها في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، في وقت يترقب فيه مسؤولو المحكمة نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية المقبلة، أملا في أن يفضي أي تغير في موازين القوى السياسية داخل واشنطن إلى تخفيف الضغوط المفروضة عليها.

The post واشنطن تضغط على دول إفريقية للانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress